الرئيسية / السابِعُ مِنْ أكتوبر

السابِعُ مِنْ أكتوبر

السابِعُ مِنْ أكتوبر


 
الطَبِيعَةُ هِيَ مَنْبَعُ الاِنْبِهارِ المُتَجَدِّدِ، وَما هِيَ أَوَّلُ نافِذَةٍ لِلعَجَبِ؟ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّكَ حَقّاً عَلَى قَيْدِ الحَياةِ، رَغْمَ الكَثِيرِينَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ فُرْصَةً لِلفِرارِ مِنْ مَنازِلِهِمْ أَوْ التَفَكُّرِ أَوْ الاِسْتِغْراقِ فِي المَخاوِفِ، ذٰلِكَ هُوَ أَكْبَرُ مُؤَشِّرٍ لِلاِكْتِئابِ وَالقَلَقِ، كُنْتُ أَمْكُثُ هُنا لِمُدَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ عاماً، فَقَدْ كُنْتُ بِحاجَةٍ إِلَى شَيْءٍ يُذَكِّرُنِي بِأَنَّ مَخاوِفِي كانَتْ مُؤَقَّتَةً وَمَحَلِّيَّةً، وَلَحْظِيَّةً، لَمْ أَكُنْ أَنْعَمُ بِالنَشْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ دَواءَ كُلِّ شَيْءٍ، لٰكِنَّهُ كانَ عِلاجاً جَيِّداً جِدّاً، أَمّا الأَطْلالُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَعَمِيقَةٌ وَمُذْهِلَةٌ تَماماً بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَذْكِيرٍ لِهٰذا النَوْعِ مِنْ العَجَبِ الغَرِيبِ وَالمُثِيرِ مِنْ الخُلْقِ.

إِنَّ العَيْشَ فِي مَدِينَةٍ مُكْتَظَّةٍ بِالسُكّانِ كَغَزَّةِ العِزَّةِ، بِوُجُوهٍ يَجِبُ أَنْ أُفَسِّرَها بِاِسْتِمْرارٍ وِدِّيَّةٍ، لا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَنْفِدَ الشَخْصُ طاقَتَهُ، رَغْمَ الَّذِي يُعانِيهِ مِنْ التَوَتُّرِ وَالقَلَقِ، وَحِينَ تُفاجِئُكَ الأَطْلالُ الَّتِي كانَتْ مَهِيبَةً، لٰكِنَّها لَمْ تَكُنْ تُشَكِّلُ أَيَّ تَهْدِيدٍ بِالفِناءِ، قَدْ يَبْدُو العِلاجُ بِالاِنْدِهاشِ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَمْراً مُتَعارِضاً مَعَ العِلاجِ الكْلاسِيكِيِّ بِالحَدِيثِ، فَرُؤْيَةُ المُعالِجِ تَتَطَلَّبُ التَرْكِيزَ عَلَى أَفْكارِكَ وَمَشاعِرِكَ، وَتَبادُلِها، إِنَّها غَوْصٌ داخِلِيٌّ، رَغْمَ أَنَّ العِلاجَ السُلُوكِيَّ المَعْرِفِيَّ يَدُورُ حَوْلَ فَحْصِ أَفْكارِكَ، وَلٰكِنْ أَيْضاً أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تُقَلِّلُ مِنْ أَخْذِها عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ، وَأَنْ تَنْظُرَ فِي اِحْتِمالِيَّةِ أَنَّها قَدْ تَكُونُ غَيْرَ دَقِيقَةٍ أَوْ سَخِيفَةٍ أَوْ عَدِيمَةِ الفائِدَةِ، وَأَنْ تَكُفَّ عَنْ اِعْتِبارِ ما يُحْدُثُ مَنْ حَوْلِكَ أَمْراً شَخْصِيّاً، وَأَنْ تُدْرِكَ أَنَّكَ لَسْتَ إِلّا مِحْوَرَ الكَوْنِ.

قَدَحَتْ عَيْنايَ المَكانَ وَكَأَنَّهُما تَحْمِلانِ بَرِيقاً مُتَلَأْلِئاً لِذِكْرَياتٍ لا حَصْرَ لَها-

شَعَرْتُ وَكَأَنَّهُما كانَتا تَتَأَمَّلانِ مَنْزِلَ طُفُولَتِنا، بَدا جِدارُهُ الخارِجِيُّ وَكَأَنَّهُ بَقايا خَشَبٍ طافِئٍ بَعْدَ حَرِيقٍ، أُقْسَمَ أَنَّنِي شَمَمْتُ رائِحَةَ دُخانِ اللَحْمِ المُتَصاعِدَةِ إِلَى أَنْفِي، إِنَّهُ لَأَمْرٌ غَرِيبٌ، كَيْفَ يَبْقَى الماضِي مَعَكَ عَلَى هٰذا النَحْوِ، يُمْكِنُ أَنْ يَبْدُوَ أَكْثَرَ حَيَوِيَّةً وَحَقِيقَةً مِنْ الأَشْياءِ المَلْمُوسَةِ أَمامَكَ مُباشَرَةً.

يا رَبّاهُ!، يَبْدُو الأَمْرُ وَكَأَنَّهُ حَدَثَ بِالأَمْسِ فَقَطْ،

وَضَعَتْ يَدِي المُرْتَعِشَةُ عَلَى قَلْبِي، وَأَنا أُكافِحُ لِتَثْبِيتِ أَنْفاسِي.

جَذَبَنِي أَخِي مُحَمَّد فِي عِناقٍ حارٍّ وَطَوِيلٍ، وَكانَتْ قُوَّتُهُ تُثَبِّتُنِي مِثْلَ مِرْساةِ سَفِينَةٍ ثَقِيلَةٍ.

قالَ بِصَوْتٍ هادِئٍ وَمُرِيحٍ: لَمْ يَتَغَيَّرْ المَنْزِلُ كَثِيراً، لٰكِنَّنا نَحْنُ اللَّذَيْنِ تَغَيَّرْنا!، جَعَلَنِي يَقِينُهُ أَتَساءَلُ: هَلْ تَغَيَّرْتَ حَقّاً؟

بَيْنَما، كانَ مُحَمَّدٌ ثابِتاً وَقَوِيّاً مِثْلَ جَبَلٍ لا يَتَزَحْزَحُ، كانَ ذٰلِكَ أَمْراً جَيِّداً بِالنِسْبَةِ لِي، لِأَنَّنِي كُنْتُ مِثْلَ رِيشَةٍ تَسْبَحُ فِي الرِيحِ- مُتَقَلِّبَةً وَغَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ، تَعَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَرِّ السِنِينَ كَيْفِيَّةَ التَعامُلِ حَتَّى مَعَ أَعاصِيرِي الأَكْثَرِ قَسْوَةً.

وَلِأَنَّنِي أُخْتُهُ الكُبْرَى، وَلَوْ بِفارِقِ تِسْعِ دَقائِقَ فَقَطْ ـ فَقَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى دَوْماً أَنْ أَكُونَ حامِيْتَهُ وَلَيْسَ العَكْسَ، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ الشَيْطانَ الَّذِي يَحْتَرِقُ فِي أَعْماقِي كانَ يَبْتَسِمُ اِبْتِسامَةً مُلْتَوِيَةً، مُدْرِكاً أَنَّ مُحَمَّد لَنْ يَتَخَلَّى عَنِّي أَبَداً، وَخاصَّةً بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ واعِيَةً وَمُدْرِكَةً لِما يَجْرِي.

لَنْ أَنامَ لَيْلَةً مِنْ دُونِ أَنْ أَراهُ فِي رُؤْيا تَهُدُّ كِيانِي، وَتُعْتِقُ صَبْرِي كَشَرابٍ أَزَلِيٍّ طِيلَةَ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً.

وَعَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّنِي لَمْ أَذْكُرْ ذٰلِكَ، إِلّا أَنَّنِي كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّد كانَ خائِفاً مِنْ تُرْكِي لِأَجْهِزَتِي الخاصَّةِ خَوْفاً مِنْ اِنْتِكاسَتِي.

كانَتْ عَلاقَتُنا كَأَخَوَيْنِ قَوِيَّةً، فَبَعْدَ أَنْ بَدَأَ القَصْفُ العَنِيفُ (لَمْ تَنْقَطِعْ والِدَتِي عَنْ قَوْلٍ إِنّا لِلّهِ، وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ حَتَّى الخامِسَةِ صَباحاً، وَالباقِي أَصْبَحَ مِنْ الماضِي)، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ سِوَى بَعْضِنا البَعْضِ، وَلٰكِنْ دَعُونا نُسَمِّي الأَشْياءَ بِمُسَمَّياتِها، فَقَدْ كُنّا أَيْضاً غارِقِينَ فِي حالَةٍ مِنْ الفَوْضَى وَالاِعْتِمادِ المُتَبادَلِ، فَمَنْ يُقَرِّرُ أَنْ يَزُورَ مُحَفِّزَ إِدْمانِكَ عَلَى الصَبْرِ فِي خِضَمِّ هٰذا القَصْفِ المُسْتَمِرِّ مُنْذُ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً.

صَرِيرُ البابِ الأَمامِيِّ المُتَهالِكِ لِلمَنْزِلِ كانَ مُحَمَّدٌ يَدْفَعُهُ بِرِفْقٍ لِيَفْتَحَهُ، كانَتْ المُفَصَّلاتُ المَعْدِنِيَّةُ الصَدِئَةُ تَحْمِلُهُ بِخَيْطٍ.

"بَعْدَكَ" أَشارَ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي ضَوْءِ الشَمْسِ، كانَ أَخاً نَبِيلاً، حَتَّى فِي مِثْلِ هٰذا الغُمُوضِ...

وَبَيْنَما كانَ يُمْسِكُ البابَ مَفْتُوحاً، كانَتْ النُدْبَةُ الضَحْلَةُ عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ تُثِيرُ اِسْتِيائِي مِثْلَ نَوْعٍ مِنْ الفُتُوَّةِ فِي ساحَةِ المَدْرَسَةِ، غالِباً ما كانَ جُرْحُهُ يَجْذِبُنِي بِهٰذِهِ الطَرِيقَةِ، فِي بَعْضِ الأَيّامِ، كُنْتُ مُتَأَكِّدَةً مِنْ أَنَّنِي سَأَغُوصُ فِيهِ وَأَغْرَقُ، وَفِي أَيّامٍ أُخْرَى، كُنْتُ أُصِلِي إِلَى اللّٰهِ لِيَسْمَحَ لِي بِالغَرَقِ بِالفِعْلِ.

لَقَدْ ظَلَّتْ تِلْكَ العَلامَةُ مَحْفُورَةً عَلَى الدَوامِ عَلَى وَجْهِ مُحَمَّدٍ، فِي اليَوْمِ الَّذِي فاجَأَتْنا فِيهِ عاصِفَةُ الأَقْصَى، أَيْ مُنْذُ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً بِالضَبْطِ، كانَ ذٰلِكَ اليَوْمَ هُوَ اليَوْمَ الَّذِي صَرَخَ فِيهِ مُحَمَّدٌ بِصَوْتٍ عالٍ فِي وَجْهِي مِنْ مَقْعَدِ الرُكّابِ: "زَيْنَب! أَوْقِفِي السَيّارَةَ اللَعِينَةَ!" لٰكِنَّ صَوْتَ الصارُوخِ اللَعِينِ الَّذِي سَقَطَ بِالقُرْبِ مِنّا وَما أَثارَهُ مِنْ دَمارٍ لِدَرَجَةِ أَنَّنِي لَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ الاِسْتِماعِ إِلَيْهِ، كُلُّ ما أَتَذَكَّرُهُ بَعْدَ ذٰلِكَ هُوَ أَنَّ سَيّارَتِي كانَتْ مُلْتَفَّةً حَوْلَ شَجَرَةٍ، كانَ مِنْ المُمْكِنِ أَنْ أَمُوتَ فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ، لٰكِنَّ ما أَزْعَجَنِي حَقّاً فِي مُنْتَصَفِ اللَيْلِ، هُوَ حَقِيقَةَ أَنَّنِي كِدْتُ أَقْتُلُ مُحَمَّد.

يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ الكَثِيرُ خِلالَ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً، وَلٰكِنَّنِي أُؤَكِّدُ لَكُمْ أَنَّ مُسامَحَةَ نَفْسِكَ لَيْسَتْ أَحَدَ هٰذِهِ الأَشْياءِ.

"حَسَناً؟ هَلْ سَتَدْخُلُ؟" كانَ مُحَمَّدٌ لا يَزالُ يُمْسِكُ البابَ جُزْئِيّاً.

لَقَدْ تَخَلَّصْتُ مِنْ ذٰلِكَ، وَأَلْقَيْتُ نَظْرَةً عارِفَةً عَلَى أَخِي، أُقْسِمُ أَنَّهُ عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّنا إِخْوانٌ، إِلّا أَنَّنا كُنّا نَتَمَتَّعُ بِتَواصُلٍ تَخاطُرِي نادِرٌ كَتَوْأَمَيْنِ، زَفَرْتُ وَدَخَلْتُ.

"اِنْتَبِهْ لِخُطُواتِكَ" قُلْتُ، وَجَبْهَتِي مُسَمِّرَةٌ إِلَى الأَرْضِ.

تَخَيَّلْتُ أَنَّ الأَلْواحَ الأَرْضِيَّةَ المُتَهالِكَةَ تَنْهارُ، فَتَصْطَدِمُ بِنا فِي ما كانَ فِي السابِقِ "كَهْفُ الرِجالِ" الَّذِي كانَ والِدَنا يَنامُ فِيهِ، فِي لَيْلَةِ السَبْيِ.

"يا أَوْلادُ، اِبْقُوا هُنا، لا تَتَحَرَّكُوا"، أَمَرَتْنا والِدَتُنا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَتْنا مِنْ المَنْزِلِ بِأَمانٍ.

أَتَذَكَّرُ السُخامَ الأَسْوَدَ عَلَى وَجْهِها وَالأَوْرِدَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ فِي عَيْنَيْها.

هَزَّتْنِي بِقُوَّةٍ مِنْ ساعِدِي، "سَأُحْضِّرُ والِدَكُما".

لَقَدْ اِحْتَضَنا أَنا وَمُحَمَّدٌ بَعْضَنا البَعْضَ، وَكُنّا نَرْتَجِفُ، لَقَدْ شَعَرْتُ بِحَرارَةِ الجَحِيمِ وَكَأَنَّنا نَقِفُ فِي بُرْكانٍ... لَمْ نَرَ والِدَيْنا مُجَدَّداً!؟.

وَها نَحْنُ بَعْدَ مُرُورِ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً، كُنّا هُناكَ - مُحَمَّدٌ وَأَنا - نَشُقُّ طَرِيقَنا عَبْرَ حُطامِ مَنْزِلِنا، كانَ الوَقْتُ ظُهْراً، وَلٰكِنْ داخِلَ المَنْزِلِ كانَ يُصْدِرُ صَوْتاً أَزْرَقاً باهِتاً يُشْبِهُ صَوْتَ مُنْتَصَفِ اللَيْلِ، وَكانَ كَتِفَيَّ يَصِلانِ إِلَى أُذُنِي، وَكَأَنَّنا نَسِيرُ عَبْرَ أَحَدِ مَعالِمِ الجَذْبِ السِياحِيِّ فِي بَيْتٍ مَسْكُونٍ.

سَعَلْتُ سَعْلَتَيْنِ، كانَ مُحِيطُ الغُبارِ كَثِيفاً مِثْلَ الزُبْدَةِ، وَبَيْنَما كُنْتُ أُنَظِّفُ رِئَتِي، نادانِي مُحَمَّدٌ مِنْ خَلْفِي.

زَيْنَب، اُنْظُرِي إِلَى هٰذا!، المِدْفَأَةُ، كانَ صَوْتُ مُحَمَّدٍ مَلِيئاً بِالرَهْبَةِ.

لا يُصَدَّقُ، لا يَزالُ هُنا، هَمَسْتُ، وَشَعَرْتُ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِي.

كانَ الأَمْرُ وَكَأَنَّ عُرّابَةَ الجانِّ مَرَّتْ بِسُرْعَةٍ وَإِعادَت الحَياةِ إِلَى غُرْفَةِ المَعِيشَةِ المُتَهالِكَةِ بِفُرْشاتِها السِحْرِيَّةِ، تَماماً كَما حَدَثَ فِي فيلمِ "تايتانيك"، عِنْدَما أَظْهَرُوا السَفِينَةَ الغارِقَةَ تَحْتَ الماءِ، مُقابِلَ هَيْبَتِها وَهِيَ تُبْحِرُ عَبْرَ المُحِيطِ الأَطْلَسِيِّ.

اِتَّجَهْنا نَحْوَ المِدْفَأَةِ، وَجَلَسْنا مُتَرَبِّعَيْنِ عَلَى الأَرْضِ.

كانَ هٰذا مَكانَنا المُفَضَّلَ، هَلْ تَتَذَكَّرُ؟ تَجَنَّبْتُ نَظَراتِهِ غارِقَةً فِي طُوفانِ الأَقْصَى.

نَعَمْ، تَمْتَمَ مُحَمَّدٌ، عَيْناهُ أَصْبَحَتْ غارِقَةً بِالحَنِينِ.

لِمُدَّةٍ وَجِيزَةٍ، حَلَّتْ دِلَّةُ القَهْوَةِ وَرائِحَةُ البُنِّ وَطَعْمُ السَحْلَبِ عَلَى النارِ مَحَلَّ رائِحَةِ العَفَنِ المُشْبَعَةِ.

هَلْ تَتَذَكَّرُ لَيالِيَ السَمُورِ الخاصَّةِ بِنا؟"سَأَلْتُ.

أُوه، ماذا عَنْ كُلِّ لَيالِي مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ أَمامَ المِدْفَأَةِ؟ "شَرَعَ مُحَمَّدٌ فِي تَقْلِيدِ طُفُولَتِي، "لٰكِنْ يا أُمِّي! أُرِيدُ مُشاهَدَةَ فيلمِ الحَسْناءِ وَالوَحْشِ!!، مُحَمَّدٌ يَخْتارُ الفيلمَ دائِماً!!"

لَكْمَتْهُ فِي ذِراعِهِ، أَوَّلاً، لَمْ أَبْدِ هٰكَذا أَبَداً، وَثانِياً، ماذا فِي ذٰلِكَ؟ كُنْتُ أَعْرِفُ ما أُرِيدُهُ.

اِرْتَفَعَتْ زَوايا فَمِ مُحَمَّدٍ، كانَ لَدَيْهِ بَرِيقٌ صادِقٌ حَوْلَهُ، كَما لَوْ أَنَّ سَحابَةً عاصِفَةً مِنْ القُصاصاتِ الوَرَقِيَّةِ تَتْبَعُهُ أَيْنَما ذَهَبَ،

لَقَدْ فَعَلْتُ ذٰلِكَ حَقّاً، يا صَغِيرِي.

كانَ صَدْرِي ثَقِيلاً، كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يُحِبَّنِي بَعْدَ كُلِّ ما فَعَلْتُهُ؟ بَعْدَ الاِصْطِدامِ فِي الشَجَرَةِ، بَعْدَ أَنْ تَقاعَسْتُ عَنْ إِنْقاذِ حَياتِهِ،؟ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْتارَنِي رَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أَخْتارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَحْيانِ؟

كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَظَلَّ يُحِبُّنِي بَعْدَ أَنْ كِدْتُ أَقْتُلُهُ؟

اِتَّسَعَتْ عَيْنا مُحَمَّد، "مَرْحَباً! هَلْ تَتَذَكَّرُ عِنْدَما كانَتْ أُمِّي تُحْضِرُ المَشْرُوباتِ الساخِنَةَ الَّتِي كانَتْ تُعِدُّها دائِماً فِي فَصْلِ الشِتاءِ؟، تَوَقَّفَ وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ المُصْطَلَحِ الصَحِيحِ. "الحَلِيبُ... مَعَ شَيْءٍ ما؟ عَصِيرُ سسُسْسُس..."

لَقَدْ نُقَرْتُ بِأَصابِعِي، "السَحْلَبُ!"

"نَعَمْ!"

أَعْنِي، عِنْدَما أَنْظُرُ إِلَى الوَراءِ، كانَ الأَمْرُ فِي الأَساسِ مُجَرَّدَ شَرابِ السَحْلَبِ ساخِناً، لٰكِنَّهُ كانَ جَيِّداً حَقّاً، وَكانَ كَذٰلِكَ بِالفِعْلِ.

تَرَدَّدَ صَدَى ضَحِكاتِنا فِي أَرْجاءِ المَلْجَأِ المَهْجُورِ الَّذِي كُنّا نُسَمِّيهِ ذاتَ يَوْمٍ مَوْطِنَنا.

اِنْحَنَى مُحَمَّدٌ إِلَى الخَلْفِ، مُمْسِكاً بِيَدَيْهِ، لَقَدْ أَحْبَبْتُ ديكُوراتِ المِدْفَأَةِ الَّتِي نُقِيمُها، وَخاصَّةً لَيالِيَ مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ هُنا، وَلٰكِنْ لا شَيْءَ يَتَفَوَّقُ عَلَى أَفْلامِنا فِي غُرْفَةِ العَرْضِ.

أَمَلْتُ رَأْسِي، لَمْ يَكُنْ لَدَيْنا غُرْفَةُ عَرْضٍ أَبَداً.

لَقَدْ طَرَدَنِي مُحَمَّدُ مازِحاً.

لا، مُحَمَّدٌ، أَتَذَكَّرُ أَنَّنا كُنّا نَمْتَلِكُ غُرْفَةَ عَرْضٍ، كانَتْ لَيالِي مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ مَعاً هِيَ الشَيْءُ المُفَضَّلُ لَدَيْنا، حَتَّى إِنَّكَ قُلْتَ ذٰلِكَ بِنَفْسِكَ.

فَجْأَةً سادَ الصَمْتُ فِي المَكانِ عِنْدَما اِنْحَنَى مُحَمَّد نَحْوِي، الذِكْرَياتُ شَيْءٌ مُهِمٌّ، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟، كانَ التَغَيُّرُ الطَفِيفُ فِي نَبْرَتِهِ يَجْعَلُ بَشَرَتِي تَرْتَعِشُ، كانَ مُحَمَّدٌ دائِماً حَزِيناً، لٰكِنَّ هٰذا كانَ مُخْتَلِفاً، تَقْرِيباً... حُضُورِيّاً (فِيزْيائِيّاً)، غالِباً ما نَتَذَكَّرُ الأَشْياءَ بِطُرُقٍ... أُسَهِّلُ عَلَيْنا اِسْتِيعابَها.

كُنْتُ مُتَوَتِّرَةً، يا إِلٰهِي مُحَمَّد، أَنْتَ تَبْدُو مِثْلَ دكتورِ بيدر.

يَبْدُو أَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِنْكاتِي الباهِتَةِ.

لَقَدْ كانَ الدكتورُ بيدر مَعالِجِي مُنْذُ الحادِثِ، وَأَوَدُّ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ المَوْضُوعِ، وَأَقُولَ إِنَّهُ لَمْ يُوافِقْ عَلَى هٰذا العِلاجِ بِالتَعَرُّضِ الذاتِيِّ الَّذِي كُنْتُ أُعَرِّضُ نَفْسِي لَهُ مِنْ خِلالِ زِيارَتِي لِلمَنْزِلِ.

بَدا الأَمْرُ وَكَأَنَّ مُحَمَّد قَدْ اِسْتَفاقَ مِنْ لَحْظَةِ العِلاجِ النَفْسِيِّ الصَغِيرَةِ، وَعادَ إِلَى طَبِيعَتِهِ المُتَأَلِّقَةِ، وَبَيْنَما كُنْتُ أُشاهِدُ وَجْهَهُ الوُدُودَ، وَهُوَ يَمْسَحُ المِدْفَأَةَ، شَعَرْتُ بِقَلَقٍ شَدِيدٍ، تَخَيَّلْتُ (أَنَّنِي) قَتَلْتُهُ بِالفِعْلِ.

يا أَخِي، لا أَزالُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ جَمِيعَ صُوَرِ عائِلَتِنا هُناكَ، دَمَرَنِي تَعْبِيرُ مُحَمَّد الطُفُولِي.

اِحْمَرَّ وَجْهِي، وَشَعَرْتُ بِالدُمُوعِ تَنُزُّ فِي عَيْنَيَّ مِثْلَ المَدِّ وَالجَزُرِ.

كَمْ كانَ الأَمْرُ مُثِيراً لِلشَفَقَةِ وَالغَضَبِ أَنَّهُ بَعْدَ كُلِّ ما فَعَلْتُهُ، ما زِلْتَ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، الضَحِيَّةِ.

مَرْحَباً، أَخَذَ يَدِي.

أُوه مُحَمَّد، أَلْقَيْتُ بِنَفْسِي عَلَيْهِ، أَنا آسِفَةٌ جِدّاً.

لَقَدْ اِحْتَضَنَنِي أَخِي بِرِعايَتِهِ المُعْتادَةِ الَّتِي لَمْ أَسْتَحِقَّها.

زَيْنَب، لا بَأْسَ أَنا ما زِلْتُ هُنا، نَحْنُ الاِثْنانِ ما زِلْنا هُنا.

وَبَيْنَما كُنْتُ أُسْنِدُ ذَقْنِي عَلَى كَتِفِ أَخِي، نَظَرْتُ أَمامِي إِلَى بَقايا المَنْزِلِ، شَعَرْتُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ، وَلَمْ يَكُنْ الأَمْرُ مُتَعَلِّقاً فَقَطْ بِالبِيئَةِ المُضْطَرِبَةِ بِشَكْلٍ عامٍّ، عَبَسْتُ، أَلَمْ يَكُنْ مَدْخَلُ المَطْبَخِ عَلَى الجانِبِ الآخَرِ مِنْ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ؟

شَعَرْتُ أَنَّ مُحَمَّد يَهُزُّ كَتِفَيْهِ وَيَقُولُ: لا أَعْتَقِدُ ذٰلِكَ.

كُنْتُ أُحَدِّقُ فِي المَدْخَلِ الَّذِي لا يُناسِبُ مَكانَهُ وَكَأَنَّنِي أُحاوِلُ اِسْتِحْضارَ ذِكْرَى ما نَحْوِي، وَفِي تِلْكَ اللَحْظَةِ رَأَيْتُهُما فِي المَطْبَخِ: ذِكْرَى شَفّافَةٌ لِأُمِّي وَأَبِي. كانَتْ أُمِّي تُحْضِرُ شَرابَ السَحْلَبِ، كانَتْ تَذْرَعُ المَكانَ جِيئَةً وَذَهاباً، عَلَى عَكْسِ أَبِي الَّذِي كانَ جالِساً بِلا حِراكٍ عَلَى الطاوِلَةِ، كانَ وَجْهُهُ مُثَبَّتاً عَلَى سَطْحِ الطاوِلَةِ المَصْنُوعِ مِنْ خَشَبِ المَشاطِيحِ، كانَتْ كَأْسُ شَرابِ السَحْلَبِ فارِغَةً، وَكَذٰلِكَ كَأْسُ والِدَتِي بِجانِبِها.

دَخَلَتْ أُمِّي إِلَى غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، وَهِيَ تَحْمِلُ مَشْرُوباتِنا الدافِئَةَ وَسِيجارَةً فِي فَمِها، وَقالَتْ "يا أَطْفالُ، والِدُكُمْ لَيْسَ عَلَى ما يُرامُ، دَعُونا نَتَناوَلُ شَرابَ السَحْلَبِ هُنا.

يا إِلٰهِي، الكَدْمَةُ عَلَى وَجْهِها...

أَعادَنِي مُحَمَّدٌ إِلَى الواقِعِ بِقُوَّةٍ عِنْدَما قالَ لِي بَعْدَ ذٰلِكَ: أَنْتِ ما زِلْتِ تَتَذَكَّرِينَ الحَقِيقَةَ بِشَأْنِ أُمِّي وَأَبِي، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟

دَفَعْتُ نَفْسِي بَعِيداً عَنْهُ، كَيْفَ فَعَلْتُ ذٰلِكَ...؟

نَظَرَ أَخِي إِلَى الأَسْفَلِ، وَتَتَبَّعَ الأَرْضَ بِإِصْبَعِهِ بِدِقَّةٍ، وَقالَ: نَضَعُهُمْ دائِماً عَلَى قاعِدَةِ الدَرْسِ بَعْدَ وَفاتِهِمْ.

شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي عَمُودِي الفِقْرِيِّ، ما الَّذِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ؟

وَبَيْنَما اِسْتَمَرَّ مُحَمَّدٌ فِي الحَدِيثِ، أَصْبَحَتْ كَلِماتُهُ أَكْثَرَ اِنْفِصالاً، هَلْ تَتَذَكَّرِينَ أَوَّلَ هَدِيَّةٍ فِي عِيدِ الفِطْرِ قَدَّمَها لَكَ والِدُكَ؟"

دارَتْ عَيْنايَ فِي أَرْجاءِ الغُرْفَةِ، بَيْنَما كانَ وَرِيدُ يَدِيَّ يَنْبِضُ فِي عُنُقِي، وَبِقَدْرِ ما حاوَلْتُ أَنْ أَهْرُبَ مِمّا قالَهُ مُحَمَّدٌ تَوّاً، إِلّا أَنَّنِي كُنْتُ أَتَذَكَّرُهُ.

سَمِعْتُ كَلِماتِ والِدِي المُشَجِّعَةَ: تَعالَيْ يا زَنَبْ نَبّْ، شَرِيطُ فَلِمَ تايْتانيك عَرْضٌ واحِدٌ، سَيَكُونُ هٰذا وَقْتَنا الخاصُّ، أَنْتَ وَأَنا فَقَطْ.

لَقَدْ جَعَلَتْنِي مَرارَةُ تِلْكَ المُشاهَدَةِ الأُولَى أَتَلَوَّى، لٰكِنَّ مُشارَكَةَ وَقْتٍ خاصٍّ" مَعَ والِدِي - وَالشَوْقِ اليائِسَ إِلَى أَنَّهُ رُبَّما كانَ يُحِبُّنِي، بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ - كانَ بِمَثابَةِ الطُغْيانِ الَّذِي يَلْتَهِمُنِي بِهِ اِكْتِمالُ القَمَرِ بِالكامِلِ، كُنْتُ طِفْلَةً صَغِيرَةً، وَمِثْلُها كَمِثْلِ أُمِّي الَّتِي غَضَّتْ الطَرَفَ عَنْ حُبِّ والِدِي لِمُشاهَدَةِ الأَفْلامِ، فَعَلَتْ الشَيْءَ نَفْسَهُ تَماماً عِنْدَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِاِبْنَتِها.

لَقَدْ اِسْتَخْدَمْتُ هَفَواتِ والِدِي كَعُذْرٍ لِإِدْمانِي عَلَى مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، لِأَنَّ الاِعْتِرافَ بِأَنَّهُما ساعَدانِي عَلَى خَلْقِ الوَحْشِ الَّذِي أَصْبَحْتُ عَلَيْهِ فِي نِهايَةِ المَطافِ كانَ بِمَثابَةِ سِكِّينٍ فِي القَلْبِ، وَمَعْرِفَتِي بِأَنَّنِي كُنْتُ ضَعِيفَةً لِلغايَةِ بِحَيْثُ لا أَسْتَطِيعُ التَغَلُّبَ عَلَى الإِدْمانِ بِمَحْضِ إِرادَتِي جَعْلَ السِلاحِ يَتَلَوَّى فِي صَدْرِي.

كانَتْ الغُرْفَةُ يَفُورُ فِيها الماءُ، كانَ وَجْهِي حارِقاً مِثْلَ لَيْلَةِ النارِ!، أَمْ كانَتْ تِلْكَ الحَرارَةُ الدافِئَةُ المُنْبَعِثَةُ مِنْ المِدْفَأَةِ عِنْدَما كُنّا أَطْفالاً؟ كانَتْ ذِكْرَياتُ المِدْفَأَةِ فِي طُفُولَتِي تَمُرُّ فِي ذِهْنِي، إِطاراً تِلْوَ الآخَرِ، حَتَّى... تَبَخَّرْتُ فِي نِهايَةِ الأَمْرِ إِلَى لا شَيْءٍ، اِنْحَنَيْتُ، مُعْتَقِدَةً أَنَّنِي قَدْ أَتَقَيَّأُ.

"لَمْ يَكُنْ لَدَيْنا مِدْفَأَةٌ أَبَداً،" كانَ مُحَمَّدٌ يَهُزُّ رَأْسَهُ، بِكُلِّ بَساطَةٍ.

عِنْدَما نَظَرْتُ إِلَى المِدْفَأَةِ، شَعَرْتُ بِأَظافِرِي تَنْغَرِسُ فِي خَدِّي، لَمْ أَجِدْها، لَمْ يَبْقَ سِوَى جِدارٍ فارِغٍ مِنْ وَرَقِ الحائِطِ الأَخْضَرِ الباهِتِ، لَقَدْ نَفَذَ صارُوخٌ إِلَى داخِلِ بَيْتِنا، وَاِشْتَعَلَتْ النِيرانُ فِيهِ ذاتَ يَوْمٍ، نَعَمْ، وَهٰذا كُلُّ شَيْءٍ، لَمْ تَكُنْ هُناكَ مِدْفَأَةٌ طُفُولَةٌ سَعِيدَةٌ أَبَداً.

كانَتْ يَدايَ بارِدَةً وَرَطْبَةً، سَقَطَتْ عَلَى الحائِطِ خَلْفِي، "مُحَمَّدٌ: أَيْنَ نَحْنُ؟"

وَقَفَ وَاِنْزَلَقَ نَحْوَ السُلَّمِ، وَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الدَرابِزَيْنِ المُحَطَّمِ، وَسَمِعَتْ خُطُواتِهِ تَئِنُّ واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَهُوَ يَشُقُّ طَرِيقَهُ إِلَى ما تَبَقَّى مِنْ الطابَقِ الثانِي.

كانَ فَمِي جافّاً تَماماً، "مُحَمَّدٌ!"

تَوَقَّفَ وَاِسْتَدارَ نَحْوِي، "تَعالَيْ إِلَى غُرْفَةِ العَرْضِ، نَحْنُ نُحِبُّ مُشاهَدَةَ الأَفْلامِ مَعاً، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟ هُناكَ فيلمٌ أَوَدُّ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ."

عِنْدَما اِخْتَفَى أَخِي عَنْ الأَنْظارِ، فَعَلْتُ ما يُخْبِرُكَ بِهِ أَيُّ فيلمٍ رُعْبٍ كْلاسِيكِيٍّ: صَعِدْتُ إِلَى الطابَقِ العُلْوِيِّ.

وَجَدْتُ مُحَمَّد واقِفاً فِي نِهايَةِ الرُواقِ المَشْؤُومِ، كانَتْ إِطاراتُ الصُوَرِ الفارِغَةِ الكَبِيرَةُ تَصْطَفُّ عَلَى الجُدْرانِ ذاتِ اللَوْنِ الأَحْمَرِ القانِي المُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ، وَمِنْ خِلالِ المَدْخَلِ حَيْثُ كانَ مُحَمَّدٌ يَقِفُ، كانَتْ الجُزَيْئاتُ فِي الهَواءِ تَرْقُصُ فِي ضَوْءِ مَخْرُوطِي الشَكْلِ يَنْبَعِثُ مِنْ جِهازِ العَرْضِ، كانَ ذٰلِكَ الصَوْتُ المُلْتَوِي لِشَرِيطِ الفيلمِ هُوَ الصَوْتُ الوَحِيدُ فِي هُدُوءِ هٰذا المَنْزِلِ الصاخِبِ الَّذِي لَمْ أَعُدْ أَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ.

كانَ نِصْفُ وَجْهِ مُحَمَّدٍ - الَّذِي بِهِ النُدْبَةُ ـ مُضاءً بِشَكْلٍ مِثالِيٍّ، وَكَأَنَّهُ يَرْتَدِي قِناعاً مِنْ فيلمِ "شَبَحُ الأوبرا"،أَعْتَقِدُ أَنَّكِ مُسْتَعِدَّةٌ لِرُؤْيَةِ نِهايَةِ هٰذا الفيلمِ، زَيْنَب: هٰذا هُوَ أَكْبَرُ تَقَدُّمٍ أَحْرَزْتُهُ مُنْذُ أَنْ أَتَيْنا إِلَى هُنا".

لَقَدْ وَضَعْتُ إِبْهامِي فِي راحَةِ يَدِي، "مُحَمَّدٌ، أَنْتَ تُخِيفُنِي بِشِدَّةٍ!"

لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ رُكْبَتِيَّ قَدْ تَنْثَنِيانِ عِنْدَما اِرْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِ أَخِي لَمْعَةً مِنْ الثَلْجِ الثابِتِ عَلَى شاشَةِ التِلْفازِ، وَعِنْدَما عادَ وَجْهُهُ إِلَى طَبِيعَتِهِ، وَبَدا عَلَيْهِ البُرُودُ، اِخْتَفَى فِي الغُرْفَةِ غَيْرِ المُؤْذِيَةِ، فَتَبِعْتُهُ وَأَنا أَرْكُضُ عَلَى الدُخانِ فَقَطْ.

أَمْسَكَتُ بِالبابِ، وَفَجْأَةً اِنْفَتَحَ فَمِي، لَقَدْ اِخْتَفَى مُحَمَّدٌ، اِنْدَفَعْتُ إِلَى مُنْتَصَفِ الغُرْفَةِ.

وَبَيْنَما كُنْتُ أَبْحَثُ بِجُنُونٍ عَنْ أَخِي، كُنْتُ أَحْجُبُ عَيْنِي بِظَهْرِ يَدِي عَنْ ضَوْءِ جِهازِ العَرْضِ، وَفِي تِلْكَ اللَحْظَةِ، سَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي سَبْعَ كَلِماتٍ جَعَلْتُ دَمِي يَتَجَمَّدُ فِي عُرُوقِي (زَيْنَب اِرْفَعِي هٰذِهِ الكُتْلَةَ المُلْتَهِبَةَ عَنْ صَدْرِي!.)

كُنْتُ أَتَشَنَّجُ وَلٰكِنْ مَشْلُولَةٌ، كُنْتُ أَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ مِثْلِ عَسَلٍ عَلَى زُبْدَةٍ، وَاِسْتَدَرْتُ فِي مَكانِي نَحْوَ أَسْوَأِ كابُوسٍ فِي حَياتِي، عَلَى شاشَةِ العَرْضِ كُنْتُ أَنا وَمُحَمَّد تَحْتَ الأَنْقاضِ، مُنْذُ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً بِالضَبْطِ، اليَوْمَ الَّذِي كِدْتُ أُقْتَلُ فِيهِ -

يا إِلٰهِي.

كانَ رَأْسِي يَنْبِضُ بِقُوَّةٍ، بَيْنَما كانَتْ الذِكْرَياتُ المُتَناثِرَةُ تَتَدَفَّقُ فِي ذِهْنِي، وَبَدَأَتْ حَقِيقَةَ ما حَدَثَ تَتَبَلْوَرُ بِلا هَوادَةٍ.

كانَتْ مَفاصِلِي تُؤْلِمُنِي وَبَطْنِي تَضْطَرِبُ، وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي لِأَكْتُمَ صَرْخَتِي، وَتَعَثَّرْتُ فِي المَمَرِّ الَّذِي بَدَأَ يَنْهارُ عَلَى نَفْسِهِ، اِمْتَصَّتْ إِطاراتُ الصُوَرِ فِي الجُدْرانِ، تَصَدَّعَتْ أَلْواحُ الأَرْضِيَّةِ إِلَى قِمَمٍ وَوِدْيانٍ مُشَوَّهَةٍ، تَأَرْجَحَتْ العَوارِضُ الخَشَبِيَّةُ مِنْ السَقْفِ مِثْلَ البَنْدُولِ، حاوَلْتُ أَنْ أَبْصُقَ الحَصَى الطَباشِيرِيَّ مِنْ الجُدْرانِ الجافَّةِ المُتَحَلِّلَةِ الَّتِي جَعَلَتْ الأَمْرَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ عاصِفَةٌ شِتَوِيَّةٌ.

تَوَقَّفْتُ فِي مَكانِي أَمامَ النافِذَةِ الزُجاجِيَّةِ المُلَوَّنَةِ، وَأَنا أَلْهَثُ بِشِدَّةٍ، كانَ جَسَدِي يَرْتَجِفُ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ واجَهْتُ فِيها هٰذا المَوْقِفَ، تَساءَلْتُ عَمّا إِذا كانَ هٰذا السُقُوطُ هُوَ الَّذِي سَيُنْهِي كُلَّ شَيْءٍ فِي نِهايَةِ الأَمْرِ.

رُبَّما سَيَكُونُ الأَمْرُ أَفْضَلَ لَوْ فَعَلْتَ ذٰلِكَ.

حَبَسْتُ أَنْفاسِي، أَلْقَيْتُ بِنَفْسِي عَبْرَ الزُجاجِ، وَيَدِي تَخَدِشُ الهَواءَ بَحْثاً عَنْ الحَياةِ، يَبْدُو السُقُوطُ الحُرُّ مِنْ طابَقَيْنِ وَكَأَنَّهُ أَبَدِيَّةٌ عِنْدَما تُشاهِدُ ذِكْرَياتِ بَيْتِ طُفُولَتِكَ تَنْهارُ أَمامَ عَيْنَيْكِ، وَلٰكِنْ عِنْدَما لامَسَ وَزْنُ جَسَدِي الأَرْضَ أَخِيراً، شَعَرْتُ وَكَأَنَّنِي...

شَهِقْتُ، كانَ الهَواءُ البارِدُ فِي غُرْفَةِ المُسْتَشْفَى يَصْدِمُ رِئَتِي، جَلَسْتُ وَأَنا أُزِيلُ أَكْوابَ الشَفْطِ الفارِغَةَ عَنْ وَجْهِي وَجَسَدِي، كانَ رِدائِي مُلْتَصِقاً بِي، غارِقاً فِي العَرَقِ، كانَتْ المُعِدّاتُ الطِبِّيَّةُ تُصْدِرُ أَصْواتاً حَوْلِي مِثْلَ الجُنْدُولِ.

كانَ الدكتورُ بيدر، مَعالِجِي النَفْسِيُّ مُنْذُ الحادِثِ، يَجْلِسُ فِي الجِهَةِ المُعاكِسَةِ مِنْ الغُرْفَةِ البَيْضاءِ الصارِخَةِ، وَهُوَ يَتَنَهَّدُ وَيَفْرُكُ جَبْهَتَهُ، وَكانَ هُوَ أَيْضاً مُتَّصِلاً بِمَجْمُوعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ أَكْوابِ الشَفْطِ الفارِغَةِ وَالأَسْلاكِ، وَكانَ يَبْدُو مُنْهَكاً تَحْتَ الإِضاءَةِ الفِلُّورِيَّةِ العَلَوِيَّةِ أَيْضاً، وَمُنْذُ دُخُولِي المُسْتَشْفَى، كانَ الدكتورُ بيدَر يُساعِدُنِي عَلَى التَعَمُّقِ فِي ذِكْرَياتِي، وَخاصَّةً تِلْكَ الَّتِي كانَتْ مُؤْلِمَةً لِلغايَةِ بِحَيْثُ لا أَسْتَطِيعُ مُواجَهَتَها، وَعَلَى هٰذا النَحْوِ، كانَ الدكتورُ بيدر يَظْهَرُ فِي المُحاكاةِ بِصِفَتِهِ أَخِي مُحَمَّد، حُبُّ حَياتِي الَّذِي تُوُفِّيَ فِي القَصْفِ، قَبْلَ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً

لَقَدْ شَعَرْتُ بِالاِرْتِباكِ، فَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ بِسُرْعَةٍ، وَكانَ وُضُوحُ الذِكْرَى يَتَناقَضُ بِشَكْلٍ حادٍّ مَعَ بَلاطِ السَقْفِ الهَنْدَسِيِّ المُعَقَّمِ فَوْقِي.

"لا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ ذٰلِكَ مُجَدَّداً أَبَداً!" كِدْتُ أُجِنُّ.

"زَيْنَب" صرخَ الدكتورُ بيدر.

"لا تَبْدَئِي" رَفَعَتْ أَرْبَعَ أَصابِعَ لِتَشْكِيلِ عَلاماتِ اِقْتِباسٍ فِي الهَواءِ، "زَيْنَب، لا تَسْتَسْلِمِي، لَقَدْ كانَ هٰذا أَقْرَبَ ما وَصَلْتُ إِلَيْهِ فِي حَياتِكَ لِمُواجَهَةِ الحَقِيقَةِ."

عِنْدَما غادَرْتُ الدَفْعَةَ الأُولَى مِنْ هرمونِ الأدرينالين وَالكورتيزول جَسَدِي، سَقَطْتُ عَلَى وِسادَتِي. كُنْتُ مُنْهَكَةً، تَدَفَّقْتُ أَنْهارٌ هادِئَةٌ عَلَى خَدِّي.

وَبَعْدَ أَنْ أَزالَ الدكتورُ بيدر أَكْوابَ الكارتونِ الخاصَّةَ بِهِ، اِقْتَرَبَ مِنْ سَرِيرِي وَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ بِهُدُوءٍ: "زَيْنَب، أَنا أَفْهَمُ مَدَى صُعُوبَةٍ هٰذا الأَمْرَ بِالنِسْبَةِ لَكَ، وَلٰكِنَّكَ قُمْتَ بِعَمَلٍ رائِعٍ اليَوْمَ، وَإِذا اِسْتَمَرَّينا فِي إِحْرازِ تَقَدُّمِ مِثْلِ هٰذا، فَهُناكَ اِحْتِمالٌ حَقِيقِيٌّ أَنْ تَسْتَعِيدِي حُرِّيَّتَكَ فِي وَقْتٍ أَقْرَبَ".

نَظَرْتُ إِلَى الطَبِيبِ حَسَنَ النِيَّةِ، لٰكِنَّ كُلَّ ما اِسْتَطَعْتُ رُؤْيَتَهُ هُوَ مُحَمَّدٌ، كانَتْ القَذائِفُ تَتَساقَطُ مِثْلَ شَلّالاتِ نياغرا، قِطَعُ الوَرَقِ المُلَوَّنَةِ تَتَساقَطُ بِهُدُوءٍ حَوْلَهُ مِثْلَ حَبّاتِ ثَلْجِ شَهْرِ نوفمبر الأُولَى، كانَ وَجْهُهُ أَشْبَهَ بِالشَمْسِ، وَكانَتْ عَيْناهُ تَعْكِسانِ العالَمَ كُلَّهُ بِالنِسْبَةِ لِي...

وَبِقَبْضَةٍ ضَعِيفَةٍ أَمْسَكَتْ بِيَدِ الدكتورِ بيدر، كانَتْ أَحْبالِي الصَوْتِيَّةُ مِثْلَ وَرَقِ الصَنْفَرَةِ، "سَأُغادِرُ هٰذا المَكانَ يَوْماً ما، يا دكتورُ"، سَقَطَتْ دَمْعَةٌ ساخِنَةٌ مِنْ ذَقْنِي عَلَى عَظْمِ التَرْقُوَةِ، "لٰكِنَّنِي لَسْتُ مُتَأَكِّدَةً مِمّا إِذا كُنْتُ سَأَتَحَرَّرُ يَوْماً ما".

لَمْ يَقُلْ الدكتورُ بيدر كَلِمَةً واحِدَةً، وَلٰكِنَّنِي شَعَرْتُ بِهِ يَضْغَطُ عَلَى يَدِي، بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ قَلِيلاً.

لَعِقْتُ الشُقُوقَ عَلَى شَفَتَيَّ بَيْنَما أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، مُتَخَيِّلَةً الراحَةَ الَّتِي يُوَفِّرُها لِي كُوبُ ماءٍ بارِدٍ عَلَى لِسانِي، شَعَرْتُ بِأَنَّنِي أَبْتَعِدُ، وَهٰذا أَمْرٌ جَيِّدٌ، لِأَنَّنِي كُنْتُ فِي حاجَةٍ إِلَى الراحَةِ.

فِي اليَوْمِ التالِي سَأَعُودُ أَنا وَالدكتورُ بيدر إِلَى ذِكْرَياتِي مُجَدَّداً، بِغَضِّ النَظَرِ عَنْ مَدَى شُعُورِي بِالإِهانَةِ، فَقَدْ تَعَهَّدْتُ بِمُواصَلَةِ حُضُورِ المُحاكاةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَسْمَحْ لِنَفْسِي أَبَداً عَلَى ما فَعَلْتُهُ، عَلَى الأَقَلِّ فِي ذِكْرَياتِي، فَقَدْ تَمَكَّنْتُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِي مُحَمَّدٍ.

 

سعيد الوائلي

العراق / النجف الاشرف

ديربورن هايتس/ الولايات المتحد

17-07-2026, 10:25
عودة