﻿<?xml version="1.0" encoding="utf-8"?>
<rss xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/" xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/" xmlns:media="http://search.yahoo.com/mrss/" xmlns:turbo="http://turbo.yandex.ru" version="2.0">
<channel>
<title>نقد - الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق</title>
<link>https://iraqiwritersunion.com/</link>
<language>ar</language>
<description>نقد - الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق</description>
<item>
<title>الخلاف بين الكوفيين والبصريين: كيف أصبح العراق مهدًا لأحد أعظم المشاريع العلمية في تاريخ اللغة العربية..</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2246-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2246-.html</link>
<description><![CDATA[<p dir="rtl"><br></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">سحر حسب الله عبّد </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">العراق / بغداد </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">عنوان المقال /  الخلاف بين الكوفيين والبصريين: كيف أصبح العراق مهدًا لأحد أعظم المشاريع العلمية في تاريخ اللغة العربية..</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;"> </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">الخلاف بين الكوفيين والبصريين: كيف أصبح العراق مهدًا لأحد أعظم المشاريع العلمية في تاريخ اللغة العربية</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">حين يُستعرض تاريخ الحضارة العربية الإسلامية غالبًا ما تتجه الأنظار إلى الفتوحات أو إلى تعاقب الدول والخلفاء، أو إلى الإنجازات العمرانية والعسكرية غير أن الحضارات لا تُقاس بما تبنيه من مدن فحسب بل بما تنتجه من أفكار، وما ترسخه من مناهج في البحث والمعرفة ومن هذا المنطلق يحتل علم النحو العربي مكانة فريدة في تاريخ الحضارة الإسلامية لأنه لم يكن مجرد علم يُعنى بضبط أواخر الكلمات بل كان مشروعًا علميًا متكاملًا هدف إلى فهم اللغة العربية والكشف عن نظامها وتقنين قواعدها وصيانة اللسان الذي نزل به القرآن الكريم.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">وقد كان العراق بما احتضنه من مدارس علمية ومجالس مناظرة وحركة فكرية واسعة البيئة التي نضج فيها هذا المشروع حتى أصبحت مدنه مراكز للإنتاج اللغوي والفكري، وأسهم علماؤها في تأسيس تقاليد علمية ظل أثرها حاضرًا في الثقافة العربية والإسلامية لقرون طويلة.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">شهد العراق خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين نهضة علمية استثنائية فكانت البصرة والكوفة ثم بغداد بعد قيام الدولة العباسية من أبرز مراكز المعرفة في العالم الإسلامي ، وفي هذه المدن اجتمع اللغويون والنحويون والمفسرون والمحدثون والفقهاء والأدباء ونشأت بينهم ثقافة علمية تقوم على المناظرة والاستدلال واحترام الدليل ومراجعة الآراء. </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ولم تكن اللغة تُدرس بمعزل عن بقية العلوم بل كانت أساسًا لفهم القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي والفقه وأصوله ولذلك اكتسبت الدراسات اللغوية مكانة محورية في الحياة الفكرية.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ولم يظهر علم النحو فجأة بل سبقت نشأته جهود مبكرة هدفت إلى حماية العربية من اللحن بعد اتساع الدولة الإسلامية واختلاط العرب بغيرهم من الأمم ، ويُنسب إلى أبي الأسود الدؤلي وضع اللبنات الأولى لهذا العلم حين بدأ بوضع قواعد أولية تضبط الإعراب وتعين على صيانة القراءة الصحيحة ، غير أن هذه البدايات تطورت في العراق إلى مشروع علمي متكامل توسع في جمع اللغة، وتحليلها، وتصنيفها، حتى ظهرت المدارس النحوية الكبرى التي أرست مناهج البحث اللغوي.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ومع انتشار العربية في أقاليم واسعة لم تعد اللغة لهجة واحدة أو بيئة محدودة بل أصبحت تضم تنوعًا كبيرًا في الاستعمال واللهجات والأساليب ، وكان على العلماء أن يجيبوا عن سؤال بالغ الأهمية ؛ كيف يمكن الحفاظ على سلامة العربية مع اتساعها واختلاف صور استعمالها؟ ومن هنا بدأ جمع كلام العرب، ورواية الشعر القديم وتمييز الفصيح من غيره ثم البحث عن القواعد التي تنتظم هذا التنوع دون أن تلغي خصائصه.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">في هذا السياق ظهرت مدرستا البصرة والكوفة اللتان أصبحتا قطبي النحو العربي ولم يكن الخلاف بينهما خلاف خصومة أو صراعًا بين مدينتين كما قد يتبادر إلى الذهن بل كان اختلافًا في المنهج العلمي الذي ينبغي اتباعه في دراسة اللغة واستنباط قواعدها ، وقد أثبت التاريخ أن هذا الاختلاف لم يكن سببًا في انقسام المعرفة بل كان من أهم العوامل التي أسهمت في نضجها.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">عُرفت مدرسة البصرة بدقتها المنهجية وتحريها الشديد في قبول الشواهد اللغوية واعتمادها الواسع على القياس في بناء الأحكام وكان علماؤها يرون أن اللغة رغم تنوعها تقوم على أنماط عامة يمكن الكشف عنها من خلال الاستقراء ولذلك كانوا يقتصرون في الاحتجاج على ما ثبت لديهم من أفصح كلام العرب، ويتحفظون في قبول الروايات النادرة أو اللهجات قليلة الشيوع إذا خالفت ما استقر عندهم من القياس.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">وقد ارتبط هذا المنهج بأسماء خالدة في تاريخ العربية يأتي في مقدمتها الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي وضع علم العروض وأسهم في بناء التفكير المنهجي في الدراسات اللغوية، ثم تلميذه سيبويه الذي ألّف كتابه الشهير «الكتاب»، وهو المؤلف الذي يُعد أعظم ما كُتب في النحو العربي لما امتاز به من عمق في التحليل ودقة في الاستقراء ومنهجية في عرض القواعد والأدلة.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">أما مدرسة الكوفة فقد اتجهت إلى توسيع دائرة الاحتجاج اللغوي فرأت أن تنوع كلام العرب يمثل ثروة ينبغي الإفادة منها، لا تضييقها، ولذلك اعتمد علماؤها على طيف أوسع من اللهجات والروايات والشواهد الشعرية ومنحوا السماع منزلة كبيرة في بناء الأحكام النحوية مع استمرار اعتمادهم على القياس بوصفه أداة مهمة للاستنباط، وكان من أبرز أعلامها الكسائي إمام القراءات والنحو والفراء الذي جمع بين النحو والتفسير وأسهم في ترسيخ المدرسة الكوفية من خلال مؤلفاته وتحليلاته اللغوية.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ومن هنا يتضح أن تصوير الخلاف بين المدرستين على أنه صراع بين «العقل» و«التجربة» أو بين «النظرية» و«الواقع» لا يعكس الصورة التاريخية بدقة ، فالمدرستان اشتركتا في الاعتماد على السماع والقياس معًا، غير أن البصريين منحوا القياس مساحة أوسع في بناء القواعد بينما وسّع الكوفيون دائرة الاحتجاج بالمسموع واختلفوا مع البصريين في كيفية الترجيح بين الأدلة لا في أصل اعتمادها.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">وقد تجلى هذا التباين في عدد من المسائل النحوية من أشهرها مدى الاحتجاج ببعض لهجات القبائل العربية، وقبول بعض الشواهد الشعرية التي رأى البصريون أنها لا تكفي لبناء قاعدة عامة، بينما رأى الكوفيون أن ثبوتها عن العرب يجعلها حجة معتبرة. </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">كما ظهر الخلاف في بعض القضايا المتعلقة بإعمال الأدوات، والعطف، وبناء الأحكام على الشاذ أو النادر ، وتكشف هذه الأمثلة أن جوهر الخلاف لم يكن متعلقًا بقيمة اللغة وإنما بالمنهج الذي ينبغي اتباعه لفهمها وتقعيدها.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ولعل أعظم ما يميز هذا الجدل أنه لم يتحول إلى انقسام في المعرفة بل إلى حوار علمي متواصل ، فقد دفعت كل مدرسة الأخرى إلى مراجعة أدلتها وتحرير مصطلحاتها، وتقوية مناهجها، حتى أصبح الاختلاف نفسه وسيلة لتطوير العلم، لا عائقًا أمام تقدمه ، ومن هنا يمكن القول إن النحو العربي نما بالحوار والمناظرة أكثر مما نما بالاتفاق المطلق.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ولم يقتصر أثر هذا المشروع على النحو وحده بل امتد إلى علوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والبلاغة والنقد الأدبي ، فكثير من وجوه تفسير القرآن الكريم ارتبطت بالتحليل النحوي ، وكثير من مباحث أصول الفقه اعتمد على دلالات الألفاظ وأساليب العرب، كما استفاد البلاغيون والنقاد من القواعد النحوية في تحليل النصوص والكشف عن أسرار البيان العربي وهكذا أصبحت اللغة محورًا تلتقي عنده علوم متعددة لا علمًا مستقلًا منفصلًا عنها.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ولم يكن هذا التداخل بين العلوم أمرًا عارضًا بل كان انعكاسًا لطبيعة الحركة الفكرية التي شهدها العراق ، فقد ازدهرت في بغداد، إلى جانب علوم اللغة مباحث الفقه، وأصوله وعلم الكلام والمنطق وحركة الترجمة، وهو ما أسهم في ترسيخ ثقافة تقوم على الجدل العلمي، والاستدلال، وتحليل النصوص، والبحث عن القواعد العامة. </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">وقد أثرت هذه البيئة في الدراسات اللغوية كما أثرت الدراسات اللغوية بدورها في تلك العلوم فكان كل علم يغذي الآخر ويستفيد من مناهجه.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ومع انتقال مركز النشاط العلمي إلى بغداد لم يعد الخلاف بين الكوفيين والبصريين مقصورًا على المدينتين بل أصبح جزءًا من الحركة العلمية في الدولة العباسية كلها ، ففي بغداد التقى علماء المدرستين وتبادلت آراؤهم وظهرت محاولات للجمع بين مناهجهما وهو ما أسهم في نضج علم النحو واستقراره وانتقاله إلى سائر أرجاء العالم الإسلامي حيث استفادت منه مدارس المشرق والأندلس والمغرب على السواء.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ومن منظور تاريخ الفكر تكشف تجربة الكوفيين والبصريين عن حقيقة حضارية مهمة وهي أن ازدهار العلوم لا يقوم على غياب الاختلاف بل على تنظيمه. فالاختلاف الذي يحتكم إلى الدليل، ويقبل النقد، ويخضع للمراجعة، يتحول إلى قوة دافعة للإبداع لا إلى سبب للتنازع ، ولهذا بقي تراث المدرستين حاضرًا في مؤلفات العلماء ولا تزال كثير من قضاياه موضع دراسة في اللسانيات الحديثة التي تناقش بدورها العلاقة بين القاعدة اللغوية والاستعمال الفعلي للغة.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">إن القيمة الحقيقية للخلاف بين الكوفيين والبصريين لا تكمن في معرفة أي المدرستين كانت أصوب في كل مسألة وإنما في النموذج العلمي الذي قدمتاه للأجيال اللاحقة ، فقد برهنت هذه التجربة أن بناء المعرفة لا يتحقق بإقصاء الآراء المختلفة وإنما بالحوار والاستقراء، والاستدلال والمراجعة المستمرة وهي المبادئ التي تقوم عليها كل نهضة علمية راسخة.</span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">وهكذا لم يكن الخلاف بين الكوفيين والبصريين مجرد فصل في تاريخ النحو العربي بل كان فصلًا في تاريخ العقل العلمي للحضارة الإسلامية. </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b><span style="font-size:18px;">ففي العراق نضجت تجربة علمية جمعت بين الرواية والاستقراء وبين السماع والقياس، وبين احترام التراث والسعي إلى تحليله بمنهج علمي ، ومن خلال هذا الحوار الطويل ترسخت قواعد العربية وازدهرت علومها وتكوّن إرث فكري ظل حاضرًا في الثقافة العربية أكثر من ألف عام. </span></b></span></p><p dir="rtl"><span style="font-size:18px;"><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">ولعل أعظم ما تركته تلك التجربة ليس كثرة مسائلها النحوية بل إثباتها أن الحضارات الحية لا تخشى الاختلاف، وإنما تجعله طريقًا إلى بناء المعرفة وأن اللغة ليست ألفاظًا تُحفظ فحسب بل وعاء للفكر وميدانًا يتجلى فيه العقل الإنساني وهو يسعى إلى اكتشاف النظام في قلب التنوع.</span></b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Sat, 18 Jul 2026 18:20:36 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>جماليات المونتاج والتبئير الفرعي في (دودة قبر سياسي) للروائي احمد إبراهيم السعد</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2243-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2243-.html</link>
<description><![CDATA[<p dir="rtl"><b><span style="font-size:18px;font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">جماليات المونتاج والتبئير الفرعي في (دودة قبر سياسي) للروائي احمد إبراهيم السعد</span></b></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"><b> </b></span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> </span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">د.حيدر علي الاسدي ( ناقد واكاديمي) </span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> </span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> </span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> </span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">تمثل تقنية المونتاج السردي في الرواية من التقنيات الجمالية التي تعتمد تقطيع الاحداث ودمج المشاهد المتباعدة على المستوى الزمكاني في محاولة لخلق تشويق درامي ، وذلك يتمثل بصورة كبيرة في رواية الصديق المبدع الروائي البصري المميز (احمد ابراهيم السعد) والموسومة (دودة قبر سياسي)  الصادرة عام 2026 عن منشورات اتحاد الادباء والكتاب في العراق ،وتمثل المونتاج في هذه الرواية عبر (القطع) و(المزج والتداخل) واستدعاء (الذكريات) بطريقة استرجاعية ليست فائضة بل ضمن بنية السرد الروائي المتكاملة فيتداخل الزمن الاسترجاعي مع اللحظة الراهنة، ان السعد وفي اسلوبه الروائي يذهب الى تقطيع مسارات الاحداث مما يولد الترقب والتشويق فهو يلخص الازمان الاسترجاعية ذلك للوقوف على اللحظة التاريخية المهمة (بالإشارة الى المدون التاريخي ضمن بنية سرديته في هذه الرواية) ضمن ما يتاخم مع بنية السرد التخيلية في هذه الرواية فيتداخل ما هو تاريخي ماضوي مع التخيل السردي في متن احداث الرواية بطريقة واصفة جميلة تعبر وتعلق وتقدم وتؤخر في متن الحدث في سبيل صناعة المتعة الدرامية في سير الحدث السردي، وذلك يفضي الى ايقاع من نوع خاص يشبه الايقاع السينمائي في ترتيب وتنظيم المشاهد في اللغة السينمائية ، ويمنح هذا الاسلوب للمتلقي لذة من نوع خاص في عملية انتاج المعنى وربط الافكار وتفسير الدلالة واستخلاص ما يرمي له السارد وان يعيش القارئ حالة من حالات التشويق المستمر فاحمد إبراهيم السعد في روايته هذه قدم السهل الممتنع في (الحكاية) وغرابتها وطريقة بنائها الا ان التعقيد يكمن في شخوصها وبنيتهم المركبة على امتداد احداث الرواية ومشهدياتها : (ضريح الشيخ داود النمر، تغريد، ادم، رشيد، عبدالوهاب، زينب الفضل، جونز،المعربية،الشيخ بدر) وهذا التعقيد حاول الروائي ان يكسر حدته عبر(التبئير الفرعي) فكسر من رتابة الحدث الاحادي وجمعهم في الأخير ضمن بوتقة سردية واحدة، فقد قدم السارد في رواية (دودة قبر سياسي) بؤر الشخصيات الثانوية، وبئر الحكايات المتولدة (بخاصة فيما يتعلق برسائل المقام، واساليب الاسترجاع) ، وكذلك بؤر مكانية وزمانية موازية، حاول السعد في هذه الرواية لتأجيل بؤرة الحدث الرئيس مقدمًا البؤر الفرعية بطريقة مونتاجية سردية جميلة، من خلال الادماج والربط والانتقالات عبر المونتاج والاسترجاع، وتعددية الاصوات ،حاول السعد في هذه الرواية اللجوء الى المشهدية التاريخية ولكنه دمج تلك المشهدية بطريقة فنية ربطت بين الواقعة التاريخية والمخيلة السردية بما يخدم (البؤرة الرئيسة) التي انطلق منها الروائي ، وفي بعض الاحيان كانت تلك المشهدية التاريخية تكشف المضمر والمسكوت عنه في تاريخنا الماضوي واثره كنتيجة واقعية على لحظتنا الراهنة وتشكل حياتنا المعاصرة، تمثل اعادة قراءة الواقع بقصدية روائية عملية تفسير وتأويل ما يجري في الواقع الحياتي المعاصر: (المذيع يعلن مقتل رئيس الوزراء نوري السعيد في احد ازقة منطقة البتاوين في بغداد، بعد تنكره بثياب امرأة، وان الزعيم عبد الكريم قاسم أمر بدفنه في مقبرة الباب الشرقي غير ان نفوسًا عابثة ، تمكنت من استخراج جثمانه وقامت بسحله مربوطًا في شوارع بغداد/ ص122). ان دلالة (العضو المبتور) في هذه الرواية لم يمثل عاهة جسدية وحسب بل اصبح رمزًا مركزيًا في هذه الرواية لما حمله من دلالات نفسية وسياسية وفلسفية تمثل الصراع والانكسار والخيبة وابراز القوة والنقص ففي رمزيته السياسية وبرؤى ما بعد كولونيالية مثل هذا البتر رؤية دلالية الوطن الذي تم تقسيمه وتجزيئه وفقد الهوية والتعري السيكولوجي،حضور الأيروسية <b><span dir="ltr"> </span></b><b><span dir="ltr">Eroticism</span></b> بصورة كبيرة في هذه الرواية دلالة سيكولوجية لتسبر اغوار النفس البشرية (وحركيتها) ازاء الاغيار والمحيط، وازاء الذات  ، وازاء البوح ، فقد حاول خلالها السارد ان يقدم رؤية نقدية اجتماعية وضمن نسقية التأويل فهي محاولة التمرد على الانظمة السائدة والقمعة وهذا التمرد اللا واعي قابع في مخيلة السارد وهو يقدم رؤية انتقادية ثورية ضد البنى المجتمعية المتهالكة ويحاول ان يفككها عبر سردية الصراع الداخلي (للمجتمعات المقهورة)،<b> </b>وهو يصور في سرديته الأمكنة المعادية واثرها السيكولوجي على شخوصه ، تارة وأخرى يعري الدستوبية بما فيها من أنظمة حياة ودينامية يومية لا يمكن ان يتواشج معها الفرد، كما<b> </b>مثلت مشهدية (الخمر) المتكررة في هذه الرواية اداة للتداعي والبوح واسقاط الاقنعة من خلال مخامرة العقل لكسر القيود السيكولوجية والسيسولوجية في عملية تداعي البوح والانثيال الذي تلجأ له شخصيات هذه الرواية في مونولوجات داخلية ذاتوية تكشف عن انويتها ودوافعها ورؤيتها للاخر، اذ استخدم السعد اساليب سردية متنوعة ومختلفة من حيث حرية التنقل بالزمان والمكان ، والابتعاد عن المباشرة عبر تعميق ما هو درامي في السرد غير الخطي كما ان السعد وبلغة درامية مميزة حاول الجمع بين السرد الواقعي والرومانسي والساخر في ان واحد وبعض الاحيان يطعم هذا بسرد تاريخي من مرجعيات المدون التاريخي السياسي ، وكل ذلك عمق من مشهدية الشحن الدرامي في الرواية وبخاصة في أسلوب التقديم والتأخير المعتمد مما اضف جمالية من نوع خاص على التشويق والرمزية وبناء الحدث القادم في متن هذه الرواية، حملت هذه الرواية بكل ما تحمل من مشهدية لكسر ثالوث التابو (السياسي،الجنسي، الديني) عبر اداة نقدية اجتماعية واضحة لكشف زيف الخطابات السلطوية المهيمنة سواء اكانت تلك الخطابات (استبدادية بحمولاتها السياسية والأنظمة ومآلاتها، او ايقونية مقدسة ضمن خطوط حمراء لا يمكن مناقشتها كما في رمزية ضريح الشيخ داود النمر ودلالة رسائل النسوة وشخصية رشيد وبعدها السيكولوجي في تخيلاته الشيطانية (السرانية) التي تتناقض مع شخصيته الظاهرة لعامة الناس، او من خلال تابو الجسد وما مثله من دلالات رمزية مجتمعية من خلال مشاهد الايروس التي مثلت البوح الذاتي والاعتراضية الناقدة كما اشرت) في المعنى الدلالي السياسي المؤلف أراد ان يقول ان الأنظمة الدستوربية الفاسدة المجرمة لا تفضي الا الى مجتمعات ناقصة ومريضة نفسيًا وافراد غير اسوياء هم نتاج الحرب وسقوط تلك الأنظمة المستبدة في كل شيء وهذا تمثل في مشهد ولادة (رشيد) على مقصلة الإعدام ، فالسارد في هذه الرواية قدم نقده الواضح لماكينة الحرب وصناع الموت المجاني والأنظمة الفاسدة (( في الحرب فقدت بصري لأكثر من شهر انفجرت قنبلة قريبًا من وجهي: التأمت الجروح وغاب البصر. اكثر من شهر وليته الدهر كله، عشت الظلام الذي يجعل قلوبنا وعقولنا تهجع/ص164).وفي مفصليات عدة من الرواية كان صوتًا ناقدًا لهذه المنظومة (السياسة الفاسدة، السيطرة على عقول الناس بالوهم، الحرب وصناعها، الخ...).</span></span></p><p dir="rtl"><span style="font-size:18px;font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"> كما ان دلالة القبر الجماعي رؤية فرانكشتانية في استعارة تمردية ومحاذير اخلاقية وفلسفية في التلاعب بمنطقية القوانين الطبيعية للجنوح الى العبث والجنون بطريقة عجائبية وغرائبية (من مرجعيات الواقع العراقي) وهنا تكمن المفارقة بان هذه العجائبية والغرائبية أصبحت من الممكنات في بيئة الحياة العراقية نتيجة الحروب والقتل المجاني وغيرها ، ليقدم السارد نهاية فنتازية ساخرة بطريقة المفارقة ليكشف عن تصدر القبح والزيف والاوهام على المشهدية وهي افضاء لمعطيات متن الرواية منذ البداية وحتى الخاتمة فما جرى نتيجة حتمية لما سيؤول اليه مصير (تغريد، رشيد) وهي نهاية اشبه بالكوميدية السوداء، اعتقد ان الرواية هي ضمن سلسلة المبدع البصري احمد إبراهيم السعد ضمن مشروعه السردي الواضح وخطابه الادبي المتميز والذي يستحق الدراسة والبحث ، وهي دعوة صادقة لطلبة الدراسات العليا والباحثين في مجال الادب السردي لتبني دراسات اكاديمية لتحليل الخطاب والانساق الثقافية والبنى السردية لمتون هذا المبدع البصري.</span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Fri, 17 Jul 2026 15:00:27 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>الأمل... حين يصبح اليقين طريقًا لا انتظارًا</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2233-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2233-.html</link>
<description><![CDATA[<p><span style="font-size:18px;"><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">الأمل... حين يصبح اليقين طريقًا لا انتظارًا<br><br>حيدر عبد الرحمن الربيعي<br><br>ليست الأزمة الكبرى في حياة الإنسان أنه يواجه العثرات، وإنما أن يفقد القدرة على رؤية ما وراءها. فالعقبات جزء من مسيرة الحياة، أما اليأس فليس قدرًا، بل طريقة في النظر إليها. ولهذا كان الأمل من أعظم القوى التي أودعها الله في النفس الإنسانية؛ لأنه لا يغيّر الواقع مباشرة، لكنه يغيّر الإنسان الذي يواجه ذلك الواقع.<br><br>ومن هنا أرى أن الأمل ليس انتظارًا أن تتغير الحياة، بل يقينٌ بأن الله لا يترك الصادق في طريقه وحده.<br><br>إن كثيرًا من الناس يخلطون بين الأمل والتمني، مع أن الفارق بينهما عميق. فالتمني يعيش على الرغبات، أما الأمل فيعيش على العمل. المتمني ينتظر الثمرة دون أن يغرس البذرة، أما صاحب الأمل فيغرسها، ويسقيها، ثم يترك أمرها لله، واثقًا بأن ما يُبذل بصدق لا يضيع.<br><br>ولهذا لم يكن الأمل في يوم من الأيام دعوة إلى الهروب من الواقع، بل كان القوة التي تدفع الإنسان إلى مواجهته. إنه لا يمنحنا أجنحةً نهرب بها من الحياة، بل يمنحنا قدمين أكثر ثباتًا لنواصل السير فيها.<br><br>ولذلك كان الخطاب القرآني حاسمًا في مواجهة اليأس، فقال تعالى:<br><br>﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.<br><br>وقال سبحانه:<br><br>(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.<br><br>فالقرآن لا يعد الإنسان بحياة خالية من الابتلاء، لكنه يفتح أمامه نافذة لا تُغلق أبدًا، هي نافذة الثقة بالله. ولهذا كانت قصص الأنبياء درسًا متجددًا في أن الفرج قد يأتي من الموضع الذي تبدو فيه الأسباب منقطعة، وأن أبواب الله أوسع من حسابات البشر.<br><br>ومن أعمق ما روي عن الإمام علي عليه السلام قوله:<br><br>«توقّعوا الفرج ولا تيأسوا من روح الله.»<br><br>إنها دعوة إلى الجمع بين السعي والطمأنينة؛ أن يعمل الإنسان بكل ما يستطيع، ثم يسلّم قلبه إلى حكمة الله، فلا يستعجل الثمار، ولا يقيس الحياة بمقياس اللحظة.<br><br>وفي السياق نفسه، يقول ابن عطاء الله السكندري:<br><br>«لا يكن تأخر أمد العطاء، مع الإلحاح في الدعاء، موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد.»<br><br>هذه الحكمة لا تعلّمنا انتظار الزمن، بل تعلّمنا الثقة بمن يدبّر الزمن.<br><br>ولعل الطبيب والفيلسوف فيكتور فرانكل قد لامس هذه الحقيقة من زاوية إنسانية، حين رأى أن الإنسان يستطيع احتمال أقسى الظروف إذا بقي لحياته معنى. فالمعنى يمنح الاتجاه، والأمل يمنح القدرة على مواصلة السير. ولهذا لم تبدأ الإنجازات الكبرى بالإمكانات، بل بدأت برؤية آمن بها أصحابها، ثم حولوها بالصبر والعمل إلى واقع.<br><br>إن الأمل الحقيقي لا يتعلق بما نملك خارجنا بقدر ما يتعلق بما نبنيه في داخلنا. فالمال قد يذهب، والمنصب قد يزول، والشهرة قد تأتي وقد تنصرف، أما الإنسان الذي يجعل مشروعه الأكبر بناء نفسه، وتهذيب روحه، واتساع وعيه، فإنه يختار غاية لا يستطيع أحد أن يسلبه إياها.<br><br>ولذلك فإن الأمل ليس أن ترى الطريق واضحًا، بل أن تواصل السير لأنك تثق بمن يقود الطريق.<br><br>وفي تقديري، لا يبدأ التغيير الحقيقي من تبدل الظروف، بل من تبدل الإنسان نفسه. فكل إصلاح في المجتمع يبدأ بإصلاح القلب، وكل نهضة في التاريخ بدأت بفكرة آمن بها صاحبها قبل أن يؤمن بها الناس.<br><br>إن اليائس ينظر إلى حجم العقبة، أما صاحب الأمل فينظر إلى سعة الله.<br><br>واليائس يحسب ما يملك، أما المؤمن فيحسب أولًا ما عند الله.<br><br>ومن هنا تصبح الهمة الوجه العملي للأمل؛ فهي التي تحوّل المعرفة إلى عمل، والرؤية إلى أثر، والإمكان إلى حقيقة. فالأمل الذي لا يثمر حركة ليس إلا أمنية، أما الأمل الذي يقترن بالصدق والعمل فإنه يتحول إلى قوة تصنع الإنسان، والإنسان هو الذي يصنع التاريخ.<br><br>ولعل أجمل ما نختم به أن الأمل ليس وعدًا بأن الطريق سيكون سهلًا، بل يقينًا بأن السير إلى الله لا يضيع، وأن كل خطوة صادقة يخطوها الإنسان نحو الخير تترك أثرًا في روحه قبل أن تترك أثرًا في العالم.<br><br>وحين يمتلئ القلب بهذا اليقين، لا يعود الأمل انتظارًا للمستقبل، بل يصبح أسلوبًا في الحياة، ونورًا يهدي صاحبه في كل طريق.</span></b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Fri, 17 Jul 2026 14:32:42 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>قيامة الوعي... حين تتحول القصيدة إلى رحلة في مكاشفة الذات</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2228-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2228-.html</link>
<description><![CDATA[<p><span style="font-size:18px;"><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">قيامة الوعي... حين تتحول القصيدة إلى رحلة في مكاشفة الذات<br>قراءة في قصيدة الشاعر رافد عزيز القريشي<br>هناك قصائد تُقرأ، وأخرى تُعاش. وهناك نصوص لا تكتفي بأن تُنشئ صورًا شعرية، بل تدعو القارئ إلى خوض تجربة وجودية يتداخل فيها الفكر بالحدس، واللغة بالمكاشفة. ومن هذا اللون تأتي قصيدة «قيامة الوعي» للشاعر رافد عزيز القريشي، التي تمضي في مسار تأملي عميق، يجعل من الوعي محورًا لرحلة تتجاوز حدود الجسد والزمن والهوية، لتلامس أسئلة الحقيقة والوجود.<br>قيامة الوعي<br>يقودني الوعيُ، هذا ما جنتْه يدي ... ساعٍ إلى اللهِ منزوعاً من الجسدِ<br>من دونِ عينيَ، ولكنْ أستدلُّ إلى ... ما يشبهُ الدربَ مرفوعاً بلا عَمَدِ<br>أسري لمطلقِ غيبٍ، كان يحملني ... كأنني ومضُ سرٍّ مترعَ البَردِ<br>وأبصرُ الماورائي كي يزلزلني ... سرٌّ من النورِ في كونٍ بلا عددِ<br>فأنطقُ الرعبَ، أهوالي لها لغةٌ ... في صوتِها الصمتُ أشجى لهفةَ الكَمَدِ<br>ألقيتُ سرمدَ وعيي والظلامُ بَدا ... في اللاشعورِ لتفنى صرخةُ الأَمَدِ<br>لأتركَ السمعَ لا صوتٌ يحفُّ بهِ ... سوى انخطافِ وجودِ صيغَ من مسدِ<br>وأخذلُ النطقَ لا جدوى تراودني ... فكلُّ معنىً يناجي الصمت في خَلَدي<br>وأخلعُ الاسمَ... لا أدري لمن نُسبتْ ... تلك الحروفُ، ومن في الحرفِ لم يعدِ<br>حتى الجوارحُ كانتْ ظلَّ قافلةٍ ... والروحُ تمضي لمسراها بلا عَضُدِ<br>فلا الجهاتُ جهاتٌ حين جوهرها ... بهِ المسافاتُ تُدني أيَّ مُبتعِدِ<br>ولا الزمانُ يعدُّ الآنَ ثانيةً ... كأنَّما أختالَ في نزرٍ من البدَدِ<br>وصارَ ثقلُ وجودي في مكاشفتي ... عين اليقين التي تنأى عن الصَّفَدِ<br>وأدركَ المحو في تمكين خلوته ... وعياً تجلّى على آلائِهِ الجَدَدِ<br>تفكَّكَ اللامسمّى الثَّرُّ فانكشفتْ ... شمسُ الحقيقةِ من أعماقِ معتقدي<br>ماهيةُ الظلِّ قد أغوت سلالتَها ... حتى ظننتُ أثيري قاتلَ الكَبِدِ<br>تكسّرتْ في استلابي صورة صنعتْ ... منّي يقيناً هشيماً دونما سَنَد<br>وعادَ كلُّ سؤالٍ كنتُ أحملهُ ... باباً لخلوة تمكين من الفَنَدِ<br>ثم انمحيتُ... فلا اسمي يؤرّخني ... ولا ملامحُ وجهي، ترتدي صددي<br>كأنَّ سِفْري إذا ما ذابَ في عدمٍ ... صارَ الفراغُ مدارًا خالصَ الأددِ<br>ولم أعدْ قطرةً تسعى لهندسةٍ ... من الخرائطِ تطوي فجوةَ المَدَدِ<br>حتى تلبستُ أُنثى الوعي إذ صنعتْ ... معي حدودًا... من التمكين... للأبدِ<br>رافد عزيز القريشي<br>قراءة نقدية<br>نجح الشاعر رافد عزيز القريشي في بناء نصٍّ يتحرك من حدود الوعي إلى فضاء المكاشفة، جاعلًا من الرحلة الداخلية محورًا أساسيًا للقصيدة. فهو لا يصف تجربة روحية بقدر ما يعيد تشكيلها شعريًا عبر لغة كثيفة بالرموز والإشارات الصوفية، حيث تتوالى مفردات مثل: الوعي، المطلق، الغيب، المحو، الحقيقة، اليقين، واللاشعور لتؤسس فضاءً فلسفيًا يتجاوز الوصف إلى التأمل.<br>وتتميّز القصيدة بقدرتها على تفكيك الهوية المألوفة؛ فالذات تتخفف من الاسم والجسد والجهة والزمن لتبلغ مقامًا أقرب إلى الفناء المعرفي، وهي رؤية تقترب من التجربة الصوفية أكثر من اقترابها إلى الطرح الفلسفي المجرد. كما أن البناء العمودي وإيقاع البحر منحا النص وقارًا ينسجم مع ثقل موضوعه، فبدت الموسيقى الداخلية جزءًا من التجربة لا مجرد إطارٍ لها.<br>ولعل أبرز ما يلفت في النص هو أن الشاعر لا يتعامل مع الوعي بوصفه حالة ذهنية، بل باعتباره تحولًا وجوديًا يعيد صياغة علاقة الإنسان بنفسه وبالكون. ولهذا جاءت الحركة الشعرية قائمة على التجريد، حيث تتراجع المحسوسات لصالح الرمز، ويتقدم البعد الإشاري على الصورة المباشرة.<br>غير أن كثافة المجازات وتراكم المفاهيم الفلسفية تجعل القصيدة تطلب قارئًا يمتلك أدوات التأويل، إذ يغلب الفكر أحيانًا على الصورة الحسية، فتقترب بعض المقاطع من الأطروحة الفلسفية المصاغة شعريًا. وهذه سمة قد تزيد النص عمقًا عند القارئ المتخصص، لكنها قد تحدّ من انسيابه لدى المتلقي العام.<br>ومع ذلك، تبقى «قيامة الوعي» تجربة شعرية جادة وطموحة، تنتمي إلى الشعر الذي يسعى إلى مساءلة الوجود أكثر من انشغاله بوصفه، وتؤكد أن الشاعر لا يكتب القصيدة بوصفها غاية جمالية فحسب، بل بوصفها طريقًا إلى المعرفة، وحوارًا مفتوحًا بين الوعي، والوجود، والحقيقة.</span></b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Fri, 17 Jul 2026 14:24:07 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>السابِعُ مِنْ أكتوبر</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2248-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2248-.html</link>
<description><![CDATA[<p dir="rtl"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';font-size:18px;"><b>السابِعُ مِنْ أكتوبر</b></span></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl"><br> </span><span dir="rtl">الطَبِيعَةُ هِيَ مَنْبَعُ الاِنْبِهارِ المُتَجَدِّدِ، وَما هِيَ أَوَّلُ نافِذَةٍ لِلعَجَبِ؟ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّكَ حَقّاً عَلَى قَيْدِ الحَياةِ، رَغْمَ الكَثِيرِينَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ فُرْصَةً لِلفِرارِ مِنْ مَنازِلِهِمْ أَوْ التَفَكُّرِ أَوْ الاِسْتِغْراقِ فِي المَخاوِفِ، ذٰلِكَ هُوَ أَكْبَرُ مُؤَشِّرٍ لِلاِكْتِئابِ وَالقَلَقِ، كُنْتُ أَمْكُثُ هُنا لِمُدَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ عاماً، فَقَدْ كُنْتُ بِحاجَةٍ إِلَى شَيْءٍ يُذَكِّرُنِي بِأَنَّ مَخاوِفِي كانَتْ مُؤَقَّتَةً وَمَحَلِّيَّةً، وَلَحْظِيَّةً، لَمْ أَكُنْ أَنْعَمُ بِالنَشْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ دَواءَ كُلِّ شَيْءٍ، لٰكِنَّهُ كانَ عِلاجاً جَيِّداً جِدّاً، أَمّا الأَطْلالُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَعَمِيقَةٌ وَمُذْهِلَةٌ تَماماً بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَذْكِيرٍ لِهٰذا النَوْعِ مِنْ العَجَبِ الغَرِيبِ وَالمُثِيرِ مِنْ الخُلْقِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">إِنَّ العَيْشَ فِي مَدِينَةٍ مُكْتَظَّةٍ بِالسُكّانِ كَغَزَّةِ العِزَّةِ، بِوُجُوهٍ يَجِبُ أَنْ أُفَسِّرَها بِاِسْتِمْرارٍ وِدِّيَّةٍ، لا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَنْفِدَ الشَخْصُ طاقَتَهُ، رَغْمَ الَّذِي يُعانِيهِ مِنْ التَوَتُّرِ وَالقَلَقِ، وَحِينَ تُفاجِئُكَ الأَطْلالُ الَّتِي كانَتْ مَهِيبَةً، لٰكِنَّها لَمْ تَكُنْ تُشَكِّلُ أَيَّ تَهْدِيدٍ بِالفِناءِ، قَدْ يَبْدُو العِلاجُ بِالاِنْدِهاشِ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَمْراً مُتَعارِضاً مَعَ العِلاجِ الكْلاسِيكِيِّ بِالحَدِيثِ، فَرُؤْيَةُ المُعالِجِ تَتَطَلَّبُ التَرْكِيزَ عَلَى أَفْكارِكَ وَمَشاعِرِكَ، وَتَبادُلِها، إِنَّها غَوْصٌ داخِلِيٌّ، رَغْمَ أَنَّ العِلاجَ السُلُوكِيَّ المَعْرِفِيَّ يَدُورُ حَوْلَ فَحْصِ أَفْكارِكَ، وَلٰكِنْ أَيْضاً أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تُقَلِّلُ مِنْ أَخْذِها عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ، وَأَنْ تَنْظُرَ فِي اِحْتِمالِيَّةِ أَنَّها قَدْ تَكُونُ غَيْرَ دَقِيقَةٍ أَوْ سَخِيفَةٍ أَوْ عَدِيمَةِ الفائِدَةِ، وَأَنْ تَكُفَّ عَنْ اِعْتِبارِ ما يُحْدُثُ مَنْ حَوْلِكَ أَمْراً شَخْصِيّاً، وَأَنْ تُدْرِكَ أَنَّكَ لَسْتَ إِلّا مِحْوَرَ الكَوْنِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">قَدَحَتْ عَيْنايَ المَكانَ وَكَأَنَّهُما تَحْمِلانِ بَرِيقاً مُتَلَأْلِئاً لِذِكْرَياتٍ لا حَصْرَ لَها-</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">شَعَرْتُ وَكَأَنَّهُما كانَتا تَتَأَمَّلانِ مَنْزِلَ طُفُولَتِنا، بَدا جِدارُهُ الخارِجِيُّ وَكَأَنَّهُ بَقايا خَشَبٍ طافِئٍ بَعْدَ حَرِيقٍ، أُقْسَمَ أَنَّنِي شَمَمْتُ رائِحَةَ دُخانِ اللَحْمِ المُتَصاعِدَةِ إِلَى أَنْفِي، إِنَّهُ لَأَمْرٌ غَرِيبٌ، كَيْفَ يَبْقَى الماضِي مَعَكَ عَلَى هٰذا النَحْوِ، يُمْكِنُ أَنْ يَبْدُوَ أَكْثَرَ حَيَوِيَّةً وَحَقِيقَةً مِنْ الأَشْياءِ المَلْمُوسَةِ أَمامَكَ مُباشَرَةً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">يا رَبّاهُ!، يَبْدُو الأَمْرُ وَكَأَنَّهُ حَدَثَ بِالأَمْسِ فَقَطْ،</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَضَعَتْ يَدِي المُرْتَعِشَةُ عَلَى قَلْبِي، وَأَنا أُكافِحُ لِتَثْبِيتِ أَنْفاسِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">جَذَبَنِي أَخِي مُحَمَّد فِي عِناقٍ حارٍّ وَطَوِيلٍ، وَكانَتْ قُوَّتُهُ تُثَبِّتُنِي مِثْلَ مِرْساةِ سَفِينَةٍ ثَقِيلَةٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">قالَ بِصَوْتٍ هادِئٍ وَمُرِيحٍ: لَمْ يَتَغَيَّرْ المَنْزِلُ كَثِيراً، لٰكِنَّنا نَحْنُ اللَّذَيْنِ تَغَيَّرْنا!، جَعَلَنِي يَقِينُهُ أَتَساءَلُ: هَلْ تَغَيَّرْتَ حَقّاً؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">بَيْنَما، كانَ مُحَمَّدٌ ثابِتاً وَقَوِيّاً مِثْلَ جَبَلٍ لا يَتَزَحْزَحُ، كانَ ذٰلِكَ أَمْراً جَيِّداً بِالنِسْبَةِ لِي، لِأَنَّنِي كُنْتُ مِثْلَ رِيشَةٍ تَسْبَحُ فِي الرِيحِ- مُتَقَلِّبَةً وَغَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ، تَعَلَّمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَرِّ السِنِينَ كَيْفِيَّةَ التَعامُلِ حَتَّى مَعَ أَعاصِيرِي الأَكْثَرِ قَسْوَةً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَلِأَنَّنِي أُخْتُهُ الكُبْرَى، وَلَوْ بِفارِقِ تِسْعِ دَقائِقَ فَقَطْ ـ فَقَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى دَوْماً أَنْ أَكُونَ حامِيْتَهُ وَلَيْسَ العَكْسَ، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ الشَيْطانَ الَّذِي يَحْتَرِقُ فِي أَعْماقِي كانَ يَبْتَسِمُ اِبْتِسامَةً مُلْتَوِيَةً، مُدْرِكاً أَنَّ مُحَمَّد لَنْ يَتَخَلَّى عَنِّي أَبَداً، وَخاصَّةً بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ واعِيَةً وَمُدْرِكَةً لِما يَجْرِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَنْ أَنامَ لَيْلَةً مِنْ دُونِ أَنْ أَراهُ فِي رُؤْيا تَهُدُّ كِيانِي، وَتُعْتِقُ صَبْرِي كَشَرابٍ أَزَلِيٍّ طِيلَةَ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَعَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّنِي لَمْ أَذْكُرْ ذٰلِكَ، إِلّا أَنَّنِي كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّد كانَ خائِفاً مِنْ تُرْكِي لِأَجْهِزَتِي الخاصَّةِ خَوْفاً مِنْ اِنْتِكاسَتِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَتْ عَلاقَتُنا كَأَخَوَيْنِ قَوِيَّةً، فَبَعْدَ أَنْ بَدَأَ القَصْفُ العَنِيفُ (لَمْ تَنْقَطِعْ والِدَتِي عَنْ قَوْلٍ إِنّا لِلّهِ، وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ حَتَّى الخامِسَةِ صَباحاً، وَالباقِي أَصْبَحَ مِنْ الماضِي)، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ سِوَى بَعْضِنا البَعْضِ، وَلٰكِنْ دَعُونا نُسَمِّي الأَشْياءَ بِمُسَمَّياتِها، فَقَدْ كُنّا أَيْضاً غارِقِينَ فِي حالَةٍ مِنْ الفَوْضَى وَالاِعْتِمادِ المُتَبادَلِ، فَمَنْ يُقَرِّرُ أَنْ يَزُورَ مُحَفِّزَ إِدْمانِكَ عَلَى الصَبْرِ فِي خِضَمِّ هٰذا القَصْفِ المُسْتَمِرِّ مُنْذُ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">صَرِيرُ البابِ الأَمامِيِّ المُتَهالِكِ لِلمَنْزِلِ كانَ مُحَمَّدٌ يَدْفَعُهُ بِرِفْقٍ لِيَفْتَحَهُ، كانَتْ المُفَصَّلاتُ المَعْدِنِيَّةُ الصَدِئَةُ تَحْمِلُهُ بِخَيْطٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"بَعْدَكَ" أَشارَ إِلَيَّ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي ضَوْءِ الشَمْسِ، كانَ أَخاً نَبِيلاً، حَتَّى فِي مِثْلِ هٰذا الغُمُوضِ...</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَبَيْنَما كانَ يُمْسِكُ البابَ مَفْتُوحاً، كانَتْ النُدْبَةُ الضَحْلَةُ عَلَى خَدِّهِ الأَيْمَنِ تُثِيرُ اِسْتِيائِي مِثْلَ نَوْعٍ مِنْ الفُتُوَّةِ فِي ساحَةِ المَدْرَسَةِ، غالِباً ما كانَ جُرْحُهُ يَجْذِبُنِي بِهٰذِهِ الطَرِيقَةِ، فِي بَعْضِ الأَيّامِ، كُنْتُ مُتَأَكِّدَةً مِنْ أَنَّنِي سَأَغُوصُ فِيهِ وَأَغْرَقُ، وَفِي أَيّامٍ أُخْرَى، كُنْتُ أُصِلِي إِلَى اللّٰهِ لِيَسْمَحَ لِي بِالغَرَقِ بِالفِعْلِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ ظَلَّتْ تِلْكَ العَلامَةُ مَحْفُورَةً عَلَى الدَوامِ عَلَى وَجْهِ مُحَمَّدٍ، فِي اليَوْمِ الَّذِي فاجَأَتْنا فِيهِ عاصِفَةُ الأَقْصَى، أَيْ مُنْذُ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً بِالضَبْطِ، كانَ ذٰلِكَ اليَوْمَ هُوَ اليَوْمَ الَّذِي صَرَخَ فِيهِ مُحَمَّدٌ بِصَوْتٍ عالٍ فِي وَجْهِي مِنْ مَقْعَدِ الرُكّابِ: "زَيْنَب! أَوْقِفِي السَيّارَةَ اللَعِينَةَ!" لٰكِنَّ صَوْتَ الصارُوخِ اللَعِينِ الَّذِي سَقَطَ بِالقُرْبِ مِنّا وَما أَثارَهُ مِنْ دَمارٍ لِدَرَجَةِ أَنَّنِي لَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ الاِسْتِماعِ إِلَيْهِ، كُلُّ ما أَتَذَكَّرُهُ بَعْدَ ذٰلِكَ هُوَ أَنَّ سَيّارَتِي كانَتْ مُلْتَفَّةً حَوْلَ شَجَرَةٍ، كانَ مِنْ المُمْكِنِ أَنْ أَمُوتَ فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ، لٰكِنَّ ما أَزْعَجَنِي حَقّاً فِي مُنْتَصَفِ اللَيْلِ، هُوَ حَقِيقَةَ أَنَّنِي كِدْتُ أَقْتُلُ مُحَمَّد.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ الكَثِيرُ خِلالَ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً، وَلٰكِنَّنِي أُؤَكِّدُ لَكُمْ أَنَّ مُسامَحَةَ نَفْسِكَ لَيْسَتْ أَحَدَ هٰذِهِ الأَشْياءِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"حَسَناً؟ هَلْ سَتَدْخُلُ؟" كانَ مُحَمَّدٌ لا يَزالُ يُمْسِكُ البابَ جُزْئِيّاً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ تَخَلَّصْتُ مِنْ ذٰلِكَ، وَأَلْقَيْتُ نَظْرَةً عارِفَةً عَلَى أَخِي، أُقْسِمُ أَنَّهُ عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّنا إِخْوانٌ، إِلّا أَنَّنا كُنّا نَتَمَتَّعُ بِتَواصُلٍ تَخاطُرِي نادِرٌ كَتَوْأَمَيْنِ، زَفَرْتُ وَدَخَلْتُ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"اِنْتَبِهْ لِخُطُواتِكَ" قُلْتُ، وَجَبْهَتِي مُسَمِّرَةٌ إِلَى الأَرْضِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">تَخَيَّلْتُ أَنَّ الأَلْواحَ الأَرْضِيَّةَ المُتَهالِكَةَ تَنْهارُ، فَتَصْطَدِمُ بِنا فِي ما كانَ فِي السابِقِ "كَهْفُ الرِجالِ" الَّذِي كانَ والِدَنا يَنامُ فِيهِ، فِي لَيْلَةِ السَبْيِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"يا أَوْلادُ، اِبْقُوا هُنا، لا تَتَحَرَّكُوا"، أَمَرَتْنا والِدَتُنا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَتْنا مِنْ المَنْزِلِ بِأَمانٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أَتَذَكَّرُ السُخامَ الأَسْوَدَ عَلَى وَجْهِها وَالأَوْرِدَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ فِي عَيْنَيْها.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">هَزَّتْنِي بِقُوَّةٍ مِنْ ساعِدِي، "سَأُحْضِّرُ والِدَكُما".</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ اِحْتَضَنا أَنا وَمُحَمَّدٌ بَعْضَنا البَعْضَ، وَكُنّا نَرْتَجِفُ، لَقَدْ شَعَرْتُ بِحَرارَةِ الجَحِيمِ وَكَأَنَّنا نَقِفُ فِي بُرْكانٍ... لَمْ نَرَ والِدَيْنا مُجَدَّداً!؟.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَها نَحْنُ بَعْدَ مُرُورِ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً، كُنّا هُناكَ - مُحَمَّدٌ وَأَنا - نَشُقُّ طَرِيقَنا عَبْرَ حُطامِ مَنْزِلِنا، كانَ الوَقْتُ ظُهْراً، وَلٰكِنْ داخِلَ المَنْزِلِ كانَ يُصْدِرُ صَوْتاً أَزْرَقاً باهِتاً يُشْبِهُ صَوْتَ مُنْتَصَفِ اللَيْلِ، وَكانَ كَتِفَي</span><span dir="rtl">َّ</span><span dir="rtl"> يَصِلانِ إِلَى أُذُنِي، وَكَأَنَّنا نَسِيرُ عَبْرَ أَحَدِ مَعالِمِ الجَذْبِ السِياحِيِّ فِي بَيْتٍ مَسْكُونٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">سَعَلْتُ سَعْلَتَيْنِ، كانَ مُحِيطُ الغُبارِ كَثِيفاً مِثْلَ الزُبْدَةِ، وَبَيْنَما كُنْتُ أُنَظِّفُ رِئَتِي، نادانِي مُحَمَّدٌ مِنْ خَلْفِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">زَيْنَب، اُنْظُرِي إِلَى هٰذا!، المِدْفَأَةُ، كانَ صَوْتُ مُحَمَّدٍ مَلِيئاً بِالرَهْبَةِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لا يُصَدَّقُ، لا يَزالُ هُنا، هَمَسْتُ، وَشَعَرْتُ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ الأَمْرُ وَكَأَنَّ عُرّابَةَ الجانِّ مَرَّتْ بِسُرْعَةٍ وَإِعادَت الحَياةِ إِلَى غُرْفَةِ المَعِيشَةِ المُتَهالِكَةِ بِفُرْشاتِها السِحْرِيَّةِ، تَماماً كَما حَدَثَ فِي فيلمِ "تايتانيك"، عِنْدَما أَظْهَرُوا السَفِينَةَ الغارِقَةَ تَحْتَ الماءِ، مُقابِلَ هَيْبَتِها وَهِيَ تُبْحِرُ عَبْرَ المُحِيطِ الأَطْلَسِيِّ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">اِتَّجَهْنا نَحْوَ المِدْفَأَةِ، وَجَلَسْنا مُتَرَبِّعَيْنِ عَلَى الأَرْضِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ هٰذا مَكانَنا المُفَضَّلَ، هَلْ تَتَذَكَّرُ؟ تَجَنَّبْتُ نَظَراتِهِ غارِقَةً فِي طُوفانِ الأَقْصَى.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">نَعَمْ، تَمْتَمَ مُحَمَّدٌ، عَيْناهُ أَصْبَحَتْ غارِقَةً بِالحَنِينِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لِمُدَّةٍ وَجِيزَةٍ، حَلَّتْ دِلَّةُ القَهْوَةِ وَرائِحَةُ البُنِّ وَطَعْمُ السَحْلَبِ عَلَى النارِ مَحَلَّ رائِحَةِ العَفَنِ المُشْبَعَةِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">هَلْ تَتَذَكَّرُ لَيالِيَ السَمُورِ الخاصَّةِ بِنا؟"سَأَلْتُ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أُوه، ماذا عَنْ كُلِّ لَيالِي مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ أَمامَ المِدْفَأَةِ؟ "شَرَعَ مُحَمَّدٌ فِي تَقْلِيدِ طُفُولَتِي، "لٰكِنْ يا أُمِّي! أُرِيدُ مُشاهَدَةَ فيلمِ الحَسْناءِ وَالوَحْشِ!!، مُحَمَّدٌ يَخْتارُ الفيلمَ دائِماً!!"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَكْمَتْهُ فِي ذِراعِهِ، أَوَّلاً، لَمْ أَبْدِ هٰكَذا أَبَداً، وَثانِياً، ماذا فِي ذٰلِكَ؟ كُنْتُ أَعْرِفُ ما أُرِيدُهُ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">اِرْتَفَعَتْ زَوايا فَمِ مُحَمَّدٍ، كانَ لَدَيْهِ بَرِيقٌ صادِقٌ حَوْلَهُ، كَما لَوْ أَنَّ سَحابَةً عاصِفَةً مِنْ القُصاصاتِ الوَرَقِيَّةِ تَتْبَعُهُ أَيْنَما ذَهَبَ،</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ فَعَلْتُ ذٰلِكَ حَقّاً، يا صَغِيرِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ صَدْرِي ثَقِيلاً، كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يُحِبَّنِي بَعْدَ كُلِّ ما فَعَلْتُهُ؟ بَعْدَ الاِصْطِدامِ فِي الشَجَرَةِ، بَعْدَ أَنْ تَقاعَسْتُ عَنْ إِنْقاذِ حَياتِهِ،؟ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْتارَنِي رَغْمَ أَنَّنِي كُنْتُ أَخْتارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَحْيانِ؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَظَلَّ يُحِبُّنِي بَعْدَ أَنْ كِدْتُ أَقْتُلُهُ؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">اِتَّسَعَتْ عَيْنا مُحَمَّد، "مَرْحَباً! هَلْ تَتَذَكَّرُ عِنْدَما كانَتْ أُمِّي تُحْضِرُ المَشْرُوباتِ الساخِنَةَ الَّتِي كانَتْ تُعِدُّها دائِماً فِي فَصْلِ الشِتاءِ؟، تَوَقَّفَ وَكَأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ المُصْطَلَحِ الصَحِيحِ. "الحَلِيبُ... مَعَ شَيْءٍ ما؟ عَصِيرُ سسُسْسُس..."</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ نُقَرْتُ بِأَصابِعِي، "السَحْلَبُ!"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"نَعَمْ!"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أَعْنِي، عِنْدَما أَنْظُرُ إِلَى الوَراءِ، كانَ الأَمْرُ فِي الأَساسِ مُجَرَّدَ شَرابِ السَحْلَبِ ساخِناً، لٰكِنَّهُ كانَ جَيِّداً حَقّاً، وَكانَ كَذٰلِكَ بِالفِعْلِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">تَرَدَّدَ صَدَى ضَحِكاتِنا فِي أَرْجاءِ المَلْجَأِ المَهْجُورِ الَّذِي كُنّا نُسَمِّيهِ ذاتَ يَوْمٍ مَوْطِنَنا.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">اِنْحَنَى مُحَمَّدٌ إِلَى الخَلْفِ، مُمْسِكاً بِيَدَيْهِ، لَقَدْ أَحْبَبْتُ ديكُوراتِ المِدْفَأَةِ الَّتِي نُقِيمُها، وَخاصَّةً لَيالِيَ مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ هُنا، وَلٰكِنْ لا شَيْءَ يَتَفَوَّقُ عَلَى أَفْلامِنا فِي غُرْفَةِ العَرْضِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أَمَلْتُ رَأْسِي، لَمْ يَكُنْ لَدَيْنا غُرْفَةُ عَرْضٍ أَبَداً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ طَرَدَنِي مُحَمَّدُ مازِحاً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لا، مُحَمَّدٌ، أَتَذَكَّرُ أَنَّنا كُنّا نَمْتَلِكُ غُرْفَةَ عَرْضٍ، كانَتْ لَيالِي مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ مَعاً هِيَ الشَيْءُ المُفَضَّلُ لَدَيْنا، حَتَّى إِنَّكَ قُلْتَ ذٰلِكَ بِنَفْسِكَ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">فَجْأَةً سادَ الصَمْتُ فِي المَكانِ عِنْدَما اِنْحَنَى مُحَمَّد نَحْوِي، الذِكْرَياتُ شَيْءٌ مُهِمٌّ، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟، كانَ التَغَيُّرُ الطَفِيفُ فِي نَبْرَتِهِ يَجْعَلُ بَشَرَتِي تَرْتَعِشُ، كانَ مُحَمَّدٌ دائِماً حَزِيناً، لٰكِنَّ هٰذا كانَ مُخْتَلِفاً، تَقْرِيباً... حُضُورِيّاً (فِيزْيائِيّاً)، غالِباً ما نَتَذَكَّرُ الأَشْياءَ بِطُرُقٍ... أُسَهِّلُ عَلَيْنا اِسْتِيعابَها.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كُنْتُ مُتَوَتِّرَةً، يا إِلٰهِي مُحَمَّد، أَنْتَ تَبْدُو مِثْلَ دكتورِ بيدر.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">يَبْدُو أَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِنْكاتِي الباهِتَةِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ كانَ الدكتورُ بيدر مَعالِجِي مُنْذُ الحادِثِ، وَأَوَدُّ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ المَوْضُوعِ، وَأَقُولَ إِنَّهُ لَمْ يُوافِقْ عَلَى هٰذا العِلاجِ بِالتَعَرُّضِ الذاتِيِّ الَّذِي كُنْتُ أُعَرِّضُ نَفْسِي لَهُ مِنْ خِلالِ زِيارَتِي لِلمَنْزِلِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">بَدا الأَمْرُ وَكَأَنَّ مُحَمَّد قَدْ اِسْتَفاقَ مِنْ لَحْظَةِ العِلاجِ النَفْسِيِّ الصَغِيرَةِ، وَعادَ إِلَى طَبِيعَتِهِ المُتَأَلِّقَةِ، وَبَيْنَما كُنْتُ أُشاهِدُ وَجْهَهُ الوُدُودَ، وَهُوَ يَمْسَحُ المِدْفَأَةَ، شَعَرْتُ بِقَلَقٍ شَدِيدٍ، تَخَيَّلْتُ (أَنَّنِي) قَتَلْتُهُ بِالفِعْلِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">يا أَخِي، لا أَزالُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَخَيَّلَ جَمِيعَ صُوَرِ عائِلَتِنا هُناكَ، دَمَرَنِي تَعْبِيرُ مُحَمَّد الطُفُولِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">اِحْمَرَّ وَجْهِي، وَشَعَرْتُ بِالدُمُوعِ تَنُزُّ فِي عَيْنَيَّ مِثْلَ المَدِّ وَالجَزُرِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كَمْ كانَ الأَمْرُ مُثِيراً لِلشَفَقَةِ وَالغَضَبِ أَنَّهُ بَعْدَ كُلِّ ما فَعَلْتُهُ، ما زِلْتَ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، الضَحِيَّةِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">مَرْحَباً، أَخَذَ يَدِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أُوه مُحَمَّد، أَلْقَيْتُ بِنَفْسِي عَلَيْهِ، أَنا آسِفَةٌ جِدّاً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ اِحْتَضَنَنِي أَخِي بِرِعايَتِهِ المُعْتادَةِ الَّتِي لَمْ أَسْتَحِقَّها.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">زَيْنَب، لا بَأْسَ أَنا ما زِلْتُ هُنا، نَحْنُ الاِثْنانِ ما زِلْنا هُنا.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَبَيْنَما كُنْتُ أُسْنِدُ ذَقْنِي عَلَى كَتِفِ أَخِي، نَظَرْتُ أَمامِي إِلَى بَقايا المَنْزِلِ، شَعَرْتُ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ، وَلَمْ يَكُنْ الأَمْرُ مُتَعَلِّقاً فَقَطْ بِالبِيئَةِ المُضْطَرِبَةِ بِشَكْلٍ عامٍّ، عَبَسْتُ، أَلَمْ يَكُنْ مَدْخَلُ المَطْبَخِ عَلَى الجانِبِ الآخَرِ مِنْ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">شَعَرْتُ أَنَّ مُحَمَّد يَهُزُّ كَتِفَيْهِ وَيَقُولُ: لا أَعْتَقِدُ ذٰلِكَ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كُنْتُ أُحَدِّقُ فِي المَدْخَلِ الَّذِي لا يُناسِبُ مَكانَهُ وَكَأَنَّنِي أُحاوِلُ اِسْتِحْضارَ ذِكْرَى ما نَحْوِي، وَفِي تِلْكَ اللَحْظَةِ رَأَيْتُهُما فِي المَطْبَخِ: ذِكْرَى شَفّافَةٌ لِأُمِّي وَأَبِي. كانَتْ أُمِّي تُحْضِرُ شَرابَ السَحْلَبِ، كانَتْ تَذْرَعُ المَكانَ جِيئَةً وَذَهاباً، عَلَى عَكْسِ أَبِي الَّذِي كانَ جالِساً بِلا حِراكٍ عَلَى الطاوِلَةِ، كانَ وَجْهُهُ مُثَبَّتاً عَلَى سَطْحِ الطاوِلَةِ المَصْنُوعِ مِنْ خَشَبِ المَشاطِيحِ، كانَتْ كَأْسُ شَرابِ السَحْلَبِ فارِغَةً، وَكَذٰلِكَ كَأْسُ والِدَتِي بِجانِبِها.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">دَخَلَتْ أُمِّي إِلَى غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، وَهِيَ تَحْمِلُ مَشْرُوباتِنا الدافِئَةَ وَسِيجارَةً فِي فَمِها، وَقالَتْ "يا أَطْفالُ، والِدُكُمْ لَيْسَ عَلَى ما يُرامُ، دَعُونا نَتَناوَلُ شَرابَ السَحْلَبِ هُنا.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">يا إِلٰهِي، الكَدْمَةُ عَلَى وَجْهِها...</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أَعادَنِي مُحَمَّدٌ إِلَى الواقِعِ بِقُوَّةٍ عِنْدَما قالَ لِي بَعْدَ ذٰلِكَ: أَنْتِ ما زِلْتِ تَتَذَكَّرِينَ الحَقِيقَةَ بِشَأْنِ أُمِّي وَأَبِي، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">دَفَعْتُ نَفْسِي بَعِيداً عَنْهُ، كَيْفَ فَعَلْتُ ذٰلِكَ...؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">نَظَرَ أَخِي إِلَى الأَسْفَلِ، وَتَتَبَّعَ الأَرْضَ بِإِصْبَعِهِ بِدِقَّةٍ، وَقالَ: نَضَعُهُمْ دائِماً عَلَى قاعِدَةِ الدَرْسِ بَعْدَ وَفاتِهِمْ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">شَعَرْتُ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي عَمُودِي الفِقْرِيِّ، ما الَّذِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ؟</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَبَيْنَما اِسْتَمَرَّ مُحَمَّدٌ فِي الحَدِيثِ، أَصْبَحَتْ كَلِماتُهُ أَكْثَرَ اِنْفِصالاً، هَلْ تَتَذَكَّرِينَ أَوَّلَ هَدِيَّةٍ فِي عِيدِ الفِطْرِ قَدَّمَها لَكَ والِدُكَ؟"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">دارَتْ عَيْنايَ فِي أَرْجاءِ الغُرْفَةِ، بَيْنَما كانَ وَرِيدُ يَدِيَّ يَنْبِضُ فِي عُنُقِي، وَبِقَدْرِ ما حاوَلْتُ أَنْ أَهْرُبَ مِمّا قالَهُ مُحَمَّدٌ تَوّاً، إِلّا أَنَّنِي كُنْتُ أَتَذَكَّرُهُ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">سَمِعْتُ كَلِماتِ والِدِي المُشَجِّعَةَ: تَعالَيْ يا زَنَبْ نَبّْ، شَرِيطُ فَلِمَ تايْتانيك عَرْضٌ واحِدٌ، سَيَكُونُ هٰذا وَقْتَنا الخاصُّ، أَنْتَ وَأَنا فَقَطْ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ جَعَلَتْنِي مَرارَةُ تِلْكَ المُشاهَدَةِ الأُولَى أَتَلَوَّى، لٰكِنَّ مُشارَكَةَ وَقْتٍ خاصٍّ" مَعَ والِدِي - وَالشَوْقِ اليائِسَ إِلَى أَنَّهُ رُبَّما كانَ يُحِبُّنِي، بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ - كانَ بِمَثابَةِ الطُغْيانِ الَّذِي يَلْتَهِمُنِي بِهِ اِكْتِمالُ القَمَرِ بِالكامِلِ، كُنْتُ طِفْلَةً صَغِيرَةً، وَمِثْلُها كَمِثْلِ أُمِّي الَّتِي غَضَّتْ الطَرَفَ عَنْ حُبِّ والِدِي لِمُشاهَدَةِ الأَفْلامِ، فَعَلَتْ الشَيْءَ نَفْسَهُ تَماماً عِنْدَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِاِبْنَتِها.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ اِسْتَخْدَمْتُ هَفَواتِ والِدِي كَعُذْرٍ لِإِدْمانِي عَلَى مُشاهَدَةِ الأَفْلامِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، لِأَنَّ الاِعْتِرافَ بِأَنَّهُما ساعَدانِي عَلَى خَلْقِ الوَحْشِ الَّذِي أَصْبَحْتُ عَلَيْهِ فِي نِهايَةِ المَطافِ كانَ بِمَثابَةِ سِكِّينٍ فِي القَلْبِ، وَمَعْرِفَتِي بِأَنَّنِي كُنْتُ ضَعِيفَةً لِلغايَةِ بِحَيْثُ لا أَسْتَطِيعُ التَغَلُّبَ عَلَى الإِدْمانِ بِمَحْضِ إِرادَتِي جَعْلَ السِلاحِ يَتَلَوَّى فِي صَدْرِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَتْ الغُرْفَةُ يَفُورُ فِيها الماءُ، كانَ وَجْهِي حارِقاً مِثْلَ لَيْلَةِ النارِ!، أَمْ كانَتْ تِلْكَ الحَرارَةُ الدافِئَةُ المُنْبَعِثَةُ مِنْ المِدْفَأَةِ عِنْدَما كُنّا أَطْفالاً؟ كانَتْ ذِكْرَياتُ المِدْفَأَةِ فِي طُفُولَتِي تَمُرُّ فِي ذِهْنِي، إِطاراً تِلْوَ الآخَرِ، حَتَّى... تَبَخَّرْتُ فِي نِهايَةِ الأَمْرِ إِلَى لا شَيْءٍ، اِنْحَنَيْتُ، مُعْتَقِدَةً أَنَّنِي قَدْ أَتَقَيَّأُ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"لَمْ يَكُنْ لَدَيْنا مِدْفَأَةٌ أَبَداً،" كانَ مُحَمَّدٌ يَهُزُّ رَأْسَهُ، بِكُلِّ بَساطَةٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">عِنْدَما نَظَرْتُ إِلَى المِدْفَأَةِ، شَعَرْتُ بِأَظافِرِي تَنْغَرِسُ فِي خَدِّي، لَمْ أَجِدْها، لَمْ يَبْقَ سِوَى جِدارٍ فارِغٍ مِنْ وَرَقِ الحائِطِ الأَخْضَرِ الباهِتِ، لَقَدْ نَفَذَ صارُوخٌ إِلَى داخِلِ بَيْتِنا، وَاِشْتَعَلَتْ النِيرانُ فِيهِ ذاتَ يَوْمٍ، نَعَمْ، وَهٰذا كُلُّ شَيْءٍ، لَمْ تَكُنْ هُناكَ مِدْفَأَةٌ طُفُولَةٌ سَعِيدَةٌ أَبَداً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَتْ يَدايَ بارِدَةً وَرَطْبَةً، سَقَطَتْ عَلَى الحائِطِ خَلْفِي، "مُحَمَّدٌ: أَيْنَ نَحْنُ؟"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَقَفَ وَاِنْزَلَقَ نَحْوَ السُلَّمِ، وَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الدَرابِزَيْنِ المُحَطَّمِ، وَسَمِعَتْ خُطُواتِهِ تَئِنُّ واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَهُوَ يَشُقُّ طَرِيقَهُ إِلَى ما تَبَقَّى مِنْ الطابَقِ الثانِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ فَمِي جافّاً تَماماً، "مُحَمَّدٌ!"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">تَوَقَّفَ وَاِسْتَدارَ نَحْوِي، "تَعالَيْ إِلَى غُرْفَةِ العَرْضِ، نَحْنُ نُحِبُّ مُشاهَدَةَ الأَفْلامِ مَعاً، أَلَيْسَ كَذٰلِكَ؟ هُناكَ فيلمٌ أَوَدُّ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ."</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">عِنْدَما اِخْتَفَى أَخِي عَنْ الأَنْظارِ، فَعَلْتُ ما يُخْبِرُكَ بِهِ أَيُّ فيلمٍ رُعْبٍ كْلاسِيكِيٍّ: صَعِدْتُ إِلَى الطابَقِ العُلْوِيِّ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَجَدْتُ مُحَمَّد واقِفاً فِي نِهايَةِ الرُواقِ المَشْؤُومِ، كانَتْ إِطاراتُ الصُوَرِ الفارِغَةِ الكَبِيرَةُ تَصْطَفُّ عَلَى الجُدْرانِ ذاتِ اللَوْنِ الأَحْمَرِ القانِي المُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ، وَمِنْ خِلالِ المَدْخَلِ حَيْثُ كانَ مُحَمَّدٌ يَقِفُ، كانَتْ الجُزَيْئاتُ فِي الهَواءِ تَرْقُصُ فِي ضَوْءِ مَخْرُوطِي الشَكْلِ يَنْبَعِثُ مِنْ جِهازِ العَرْضِ، كانَ ذٰلِكَ الصَوْتُ المُلْتَوِي لِشَرِيطِ الفيلمِ هُوَ الصَوْتُ الوَحِيدُ فِي هُدُوءِ هٰذا المَنْزِلِ الصاخِبِ الَّذِي لَمْ أَعُدْ أَتَعَرَّفُ عَلَيْهِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ نِصْفُ وَجْهِ مُحَمَّدٍ - الَّذِي بِهِ النُدْبَةُ ـ مُضاءً بِشَكْلٍ مِثالِيٍّ، وَكَأَنَّهُ يَرْتَدِي قِناعاً مِنْ فيلمِ "شَبَحُ الأوبرا"،أَعْتَقِدُ أَنَّكِ مُسْتَعِدَّةٌ لِرُؤْيَةِ نِهايَةِ هٰذا الفيلمِ، زَيْنَب: هٰذا هُوَ أَكْبَرُ تَقَدُّمٍ أَحْرَزْتُهُ مُنْذُ أَنْ أَتَيْنا إِلَى هُنا".</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ وَضَعْتُ إِبْهامِي فِي راحَةِ يَدِي، "مُحَمَّدٌ، أَنْتَ تُخِيفُنِي بِشِدَّةٍ!"</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّ رُكْبَتِيَّ قَدْ تَنْثَنِيانِ عِنْدَما اِرْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِ أَخِي لَمْعَةً مِنْ الثَلْجِ الثابِتِ عَلَى شاشَةِ التِلْفازِ، وَعِنْدَما عادَ وَجْهُهُ إِلَى طَبِيعَتِهِ، وَبَدا عَلَيْهِ البُرُودُ، اِخْتَفَى فِي الغُرْفَةِ غَيْرِ المُؤْذِيَةِ، فَتَبِعْتُهُ وَأَنا أَرْكُضُ عَلَى الدُخانِ فَقَطْ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">أَمْسَكَتُ بِالبابِ، وَفَجْأَةً اِنْفَتَحَ فَمِي، لَقَدْ اِخْتَفَى مُحَمَّدٌ، اِنْدَفَعْتُ إِلَى مُنْتَصَفِ الغُرْفَةِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَبَيْنَما كُنْتُ أَبْحَثُ بِجُنُونٍ عَنْ أَخِي، كُنْتُ أَحْجُبُ عَيْنِي بِظَهْرِ يَدِي عَنْ ضَوْءِ جِهازِ العَرْضِ، وَفِي تِلْكَ اللَحْظَةِ، سَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي سَبْعَ كَلِماتٍ جَعَلْتُ دَمِي يَتَجَمَّدُ فِي عُرُوقِي (زَيْنَب اِرْفَعِي هٰذِهِ الكُتْلَةَ المُلْتَهِبَةَ عَنْ صَدْرِي!.)</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كُنْتُ أَتَشَنَّجُ وَلٰكِنْ مَشْلُولَةٌ، كُنْتُ أَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ مِثْلِ عَسَلٍ عَلَى زُبْدَةٍ، وَاِسْتَدَرْتُ فِي مَكانِي نَحْوَ أَسْوَأِ كابُوسٍ فِي حَياتِي، عَلَى شاشَةِ العَرْضِ كُنْتُ أَنا وَمُحَمَّد تَحْتَ الأَنْقاضِ، مُنْذُ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً بِالضَبْطِ، اليَوْمَ الَّذِي كِدْتُ أُقْتَلُ فِيهِ -</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">يا إِلٰهِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ رَأْسِي يَنْبِضُ بِقُوَّةٍ، بَيْنَما كانَتْ الذِكْرَياتُ المُتَناثِرَةُ تَتَدَفَّقُ فِي ذِهْنِي، وَبَدَأَتْ حَقِيقَةَ ما حَدَثَ تَتَبَلْوَرُ بِلا هَوادَةٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَتْ مَفاصِلِي تُؤْلِمُنِي وَبَطْنِي تَضْطَرِبُ، وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي لِأَكْتُمَ صَرْخَتِي، وَتَعَثَّرْتُ فِي المَمَرِّ الَّذِي بَدَأَ يَنْهارُ عَلَى نَفْسِهِ، اِمْتَصَّتْ إِطاراتُ الصُوَرِ فِي الجُدْرانِ، تَصَدَّعَتْ أَلْواحُ الأَرْضِيَّةِ إِلَى قِمَمٍ وَوِدْيانٍ مُشَوَّهَةٍ، تَأَرْجَحَتْ العَوارِضُ الخَشَبِيَّةُ مِنْ السَقْفِ مِثْلَ البَنْدُولِ، حاوَلْتُ أَنْ أَبْصُقَ الحَصَى الطَباشِيرِيَّ مِنْ الجُدْرانِ الجافَّةِ المُتَحَلِّلَةِ الَّتِي جَعَلَتْ الأَمْرَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ عاصِفَةٌ شِتَوِيَّةٌ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">تَوَقَّفْتُ فِي مَكانِي أَمامَ النافِذَةِ الزُجاجِيَّةِ المُلَوَّنَةِ، وَأَنا أَلْهَثُ بِشِدَّةٍ، كانَ جَسَدِي يَرْتَجِفُ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ واجَهْتُ فِيها هٰذا المَوْقِفَ، تَساءَلْتُ عَمّا إِذا كانَ هٰذا السُقُوطُ هُوَ الَّذِي سَيُنْهِي كُلَّ شَيْءٍ فِي نِهايَةِ الأَمْرِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">رُبَّما سَيَكُونُ الأَمْرُ أَفْضَلَ لَوْ فَعَلْتَ ذٰلِكَ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">حَبَسْتُ أَنْفاسِي، أَلْقَيْتُ بِنَفْسِي عَبْرَ الزُجاجِ، وَيَدِي تَخَدِشُ الهَواءَ بَحْثاً عَنْ الحَياةِ، يَبْدُو السُقُوطُ الحُرُّ مِنْ طابَقَيْنِ وَكَأَنَّهُ أَبَدِيَّةٌ عِنْدَما تُشاهِدُ ذِكْرَياتِ بَيْتِ طُفُولَتِكَ تَنْهارُ أَمامَ عَيْنَيْكِ، وَلٰكِنْ عِنْدَما لامَسَ وَزْنُ جَسَدِي الأَرْضَ أَخِيراً، شَعَرْتُ وَكَأَنَّنِي...</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">شَهِقْتُ، كانَ الهَواءُ البارِدُ فِي غُرْفَةِ المُسْتَشْفَى يَصْدِمُ رِئَتِي، جَلَسْتُ وَأَنا أُزِيلُ أَكْوابَ الشَفْطِ الفارِغَةَ عَنْ وَجْهِي وَجَسَدِي، كانَ رِدائِي مُلْتَصِقاً بِي، غارِقاً فِي العَرَقِ، كانَتْ المُعِدّاتُ الطِبِّيَّةُ تُصْدِرُ أَصْواتاً حَوْلِي مِثْلَ الجُنْدُولِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">كانَ الدكتورُ بيدر، مَعالِجِي النَفْسِيُّ مُنْذُ الحادِثِ، يَجْلِسُ فِي الجِهَةِ المُعاكِسَةِ مِنْ الغُرْفَةِ البَيْضاءِ الصارِخَةِ، وَهُوَ يَتَنَهَّدُ وَيَفْرُكُ جَبْهَتَهُ، وَكانَ هُوَ أَيْضاً مُتَّصِلاً بِمَجْمُوعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ أَكْوابِ الشَفْطِ الفارِغَةِ وَالأَسْلاكِ، وَكانَ يَبْدُو مُنْهَكاً تَحْتَ الإِضاءَةِ الفِلُّورِيَّةِ العَلَوِيَّةِ أَيْضاً، وَمُنْذُ دُخُولِي المُسْتَشْفَى، كانَ الدكتورُ بيدَر يُساعِدُنِي عَلَى التَعَمُّقِ فِي ذِكْرَياتِي، وَخاصَّةً تِلْكَ الَّتِي كانَتْ مُؤْلِمَةً لِلغايَةِ بِحَيْثُ لا أَسْتَطِيعُ مُواجَهَتَها، وَعَلَى هٰذا النَحْوِ، كانَ الدكتورُ بيدر يَظْهَرُ فِي المُحاكاةِ بِصِفَتِهِ أَخِي مُحَمَّد، حُبُّ حَياتِي الَّذِي تُوُفِّيَ فِي القَصْفِ، قَبْلَ ثَلاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْماً</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَقَدْ شَعَرْتُ بِالاِرْتِباكِ، فَأَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ بِسُرْعَةٍ، وَكانَ وُضُوحُ الذِكْرَى يَتَناقَضُ بِشَكْلٍ حادٍّ مَعَ بَلاطِ السَقْفِ الهَنْدَسِيِّ المُعَقَّمِ فَوْقِي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"لا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ ذٰلِكَ مُجَدَّداً أَبَداً!" كِدْتُ أُجِنُّ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"زَيْنَب" صرخَ الدكتورُ بيدر.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">"لا تَبْدَئِي" رَفَعَتْ أَرْبَعَ أَصابِعَ لِتَشْكِيلِ عَلاماتِ اِقْتِباسٍ فِي الهَواءِ، "زَيْنَب، لا تَسْتَسْلِمِي، لَقَدْ كانَ هٰذا أَقْرَبَ ما وَصَلْتُ إِلَيْهِ فِي حَياتِكَ لِمُواجَهَةِ الحَقِيقَةِ."</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">عِنْدَما غادَرْتُ الدَفْعَةَ الأُولَى مِنْ هرمونِ الأدرينالين وَالكورتيزول جَسَدِي، سَقَطْتُ عَلَى وِسادَتِي. كُنْتُ مُنْهَكَةً، تَدَفَّقْتُ أَنْهارٌ هادِئَةٌ عَلَى خَدِّي.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَبَعْدَ أَنْ أَزالَ الدكتورُ بيدر أَكْوابَ الكارتونِ الخاصَّةَ بِهِ، اِقْتَرَبَ مِنْ سَرِيرِي وَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ بِهُدُوءٍ: "زَيْنَب، أَنا أَفْهَمُ مَدَى صُعُوبَةٍ هٰذا الأَمْرَ بِالنِسْبَةِ لَكَ، وَلٰكِنَّكَ قُمْتَ بِعَمَلٍ رائِعٍ اليَوْمَ، وَإِذا اِسْتَمَرَّينا فِي إِحْرازِ تَقَدُّمِ مِثْلِ هٰذا، فَهُناكَ اِحْتِمالٌ حَقِيقِيٌّ أَنْ تَسْتَعِيدِي حُرِّيَّتَكَ فِي وَقْتٍ أَقْرَبَ".</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">نَظَرْتُ إِلَى الطَبِيبِ حَسَنَ النِيَّةِ، لٰكِنَّ كُلَّ ما اِسْتَطَعْتُ رُؤْيَتَهُ هُوَ مُحَمَّدٌ، كانَتْ القَذائِفُ تَتَساقَطُ مِثْلَ شَلّالاتِ نياغرا، قِطَعُ الوَرَقِ المُلَوَّنَةِ تَتَساقَطُ بِهُدُوءٍ حَوْلَهُ مِثْلَ حَبّاتِ ثَلْجِ شَهْرِ نوفمبر الأُولَى، كانَ وَجْهُهُ أَشْبَهَ بِالشَمْسِ، وَكانَتْ عَيْناهُ تَعْكِسانِ العالَمَ كُلَّهُ بِالنِسْبَةِ لِي...</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">وَبِقَبْضَةٍ ضَعِيفَةٍ أَمْسَكَتْ بِيَدِ الدكتورِ بيدر، كانَتْ أَحْبالِي الصَوْتِيَّةُ مِثْلَ وَرَقِ الصَنْفَرَةِ، "سَأُغادِرُ هٰذا المَكانَ يَوْماً ما، يا دكتورُ"، سَقَطَتْ دَمْعَةٌ ساخِنَةٌ مِنْ ذَقْنِي عَلَى عَظْمِ التَرْقُوَةِ، "لٰكِنَّنِي لَسْتُ مُتَأَكِّدَةً مِمّا إِذا كُنْتُ سَأَتَحَرَّرُ يَوْماً ما".</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَمْ يَقُلْ الدكتورُ بيدر كَلِمَةً واحِدَةً، وَلٰكِنَّنِي شَعَرْتُ بِهِ يَضْغَطُ عَلَى يَدِي، بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ قَلِيلاً.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">لَعِقْتُ الشُقُوقَ عَلَى شَفَتَيَّ بَيْنَما أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ، مُتَخَيِّلَةً الراحَةَ الَّتِي يُوَفِّرُها لِي كُوبُ ماءٍ بارِدٍ عَلَى لِسانِي، شَعَرْتُ بِأَنَّنِي أَبْتَعِدُ، وَهٰذا أَمْرٌ جَيِّدٌ، لِأَنَّنِي كُنْتُ فِي حاجَةٍ إِلَى الراحَةِ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">فِي اليَوْمِ التالِي سَأَعُودُ أَنا وَالدكتورُ بيدر إِلَى ذِكْرَياتِي مُجَدَّداً، بِغَضِّ النَظَرِ عَنْ مَدَى شُعُورِي بِالإِهانَةِ، فَقَدْ تَعَهَّدْتُ بِمُواصَلَةِ حُضُورِ المُحاكاةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَسْمَحْ لِنَفْسِي أَبَداً عَلَى ما فَعَلْتُهُ، عَلَى الأَقَلِّ فِي ذِكْرَياتِي، فَقَدْ تَمَكَّنْتُ مِنْ رُؤْيَةِ أَخِي مُحَمَّدٍ.</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"> </span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">سعيد الوائلي</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">العراق / النجف الاشرف</span></span></span></b></p><p dir="ltr"><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span dir="rtl">ديربورن هايتس/ الولايات المتحد]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Fri, 17 Jul 2026 10:25:49 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>- فرويد في الحزن والكآبة - دراسات في علم النفس</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2215-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2215-.html</link>
<description><![CDATA[<p><span style="font-size:18px;"><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">- فرويد في الحزن والكآبة -<br>دراسات في علم النفس<br>الكآبة:<br>هي تعكّرٌ عميق ومؤلم في المزاج، مصحوب بانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي نتيجة فقدان القدرة على حبّ الهدف أو التعلّق به، وتعطيل أي إنجاز، مع الحطّ من شأن الإحساس بالكبرياء. ويظهر ذلك في لوم النفس وتأنيب الضمير وامتهان الذات، وقد يتصاعد حتى يصل إلى شعور جنوني يتوقّع فيه الفرد حدوث عقوبة ما.<br>أما الحزن فيُظهر أعراض الكآبة نفسها تقريبًا، باستثناء عرض واحد، وهو خلل الشعور بالكبرياء؛ إذ يظلّ الإحساس بالكبرياء سليمًا في الحزن.<br>مصدر الحزن والكآبة واحد، وهو فقدان الهدف؛ سواء كان هذا الهدف حبًا لشخص، أو مشروعًا، أو أيّ اهتمام آخر يوظَّف بوصفه غاية. ويؤدّي ذلك إلى فقدان القدرة على اختيار هدف جديد يعوّض المفقود، ومن ثمّ العجز عن تحقيق أي إنجاز لا علاقة له بالهدف المفقود. وهنا يحدث كبح للأنا وتقييد لها بوصفها تعبيرًا عن الاستغراق في الحزن، فلا يبقى شيء للأهداف والاهتمامات الأخرى..<br><br>- كيف ينشأ عمل الحزن؟<br>عندما يكشف الواقع أنّ الهدف لم يعد موجودًا، يتمّ إقصاء الشهوة من جميع الصلات المرتبطة بهذا المشروع. إلا أنّ الإنسان لا يتخلّى عن حالة الشهوة بسهولة، حتى لو ظهر بديل آخر. وقد يكون الرفض قاطعًا، فينشأ عنه موقف الإعراض عن الواقع والتمسّك بالهدف نفسه عبر التمنّي النفسي القائم على الهلوسة. لكن هذه العملية لا تُطبَّق فورًا، بل تُنفَّذ تدريجيًا بعد بذل الكثير من الوقت والطاقة؛ فيظلّ الهدف الغائب قائمًا من الناحية النفسية فترةً من الزمن، ثم تتوقّف كلّ ذكرى منفردة وكلّ توقّع مرتبط بحالة الشهوة المتّصلة بالهدف. عندها يظهر الألم، ثم الاستياء منه. غير أنّ الحقيقة هي أنّ الأنا تتحرّر بعد إتمام عمل الحزن، فتغدو طليقة مجددًا.<br><br>- الكآبة مقابل الحزن<br><br>يمكن تطبيق الأمر نفسه على الكآبة، لكن الفقدان فيها يكون أكثر تعقيدًا؛ فهو ليس فقدانًا لشيء ذي طابع واقعي فحسب، بل أيضًا لشيء ذي طابع مثالي. فالهدف لم يمت عمليًا، بل ضاع. وهنا يميل الإنسان إلى التمسّك بالشيء الضائع دون أن يعرف تمامًا ما فقده؛ إذ هو يعلم الفقدان دون وعيٍ تامٍّ به، على عكس الحزن الذي يعي فيه الفرد كلّ شيء عن الفقدان.<br>الحزين يرى العالم فقيرًا وخاويًا، بينما الكئيب ـ إلى جانب ما سبق ـ يعاني من انتقاصٍ لا محدود من إحساسه بالأنا، ومن الفقر الذاتي، فيصف نفسه بأنّها غير جديرة بالاحترام، خاملة، ودنيئة أخلاقيًا. ويكيل الكئيب التهم لنفسه ويحطّ من شأنها، ويعتذر للجماعة لأنهم مرتبطون بشخص مشين مثله. وتكتمل صورة جنون الصغائر (ذي الطابع الأخلاقي غالبًا) عبر الأرق ورفض الطعام، متجاوزًا بذلك غريزة التشبّث بالحياة.<br>نرى هنا أنّ جزءًا من الأنا يضع نفسه في مواجهة الجزء الآخر المتماهي مع الهدف المفقود، ويتّخذه هدفًا له. وتُسمّى هذه المرجعية النقدية الضمير، وهو جانب من الأنا يعمل على مراقبة الوعي وتدقيق الواقع وفحصه.<br>وإذا أصغينا بصبر إلى الاتهامات الذاتية المتنوّعة لدى المكتئب، سنشعر في النهاية بأنّ هذه الشكاوى لا تتناسب مع صفات الشخص نفسه، وإنما هي في الأصل موجّهة إلى الهدف المفقود، لكنها تعثّرت وتدحرجت حتى وصلت إلى الأنا. ولهذا نراه غير خجل من إظهار دنائه لنفسه، إذ لا يأبه لما سيظنّه الآخرون عنه، لأنّ هذه الإهانات في حقيقتها صادرة عن الشخص الآخر (الهدف المفقود) وليس عنه هو ذاته.<br><br>- الكآبة والانتحار<br>عند غياب الهدف، يحدث عودة الاستحواذ على الهدف والعداء الموجّه إليه، فيتحوّل هذا العداء ضدّ النفس بوصفه ردّ الفعل الأصيل إزاء أهداف العالم الخارجي. ثم يحدث أن يُلغى الهدف بعد أن يثبت أنّه كان أقوى من الأنا نفسها، فيتغلّب الهدف على الأنا ويؤدّي إلى الانتحار.<br><br>- كيف تتخلى الأنا عن الهدف؟<br>تنجز هذه العملية في اللاوعي، وتُعبَّر عنها في النهاية بالسخط أو الغضب أو عبر التخلي عن الهدف بوصفه شيئًا أصبح بلا قيمة. ونحن نجهل أيًّا من هاتين الإمكانيتين (السخط أم التخلي) هو القادر على وضع نهاية للكآبة، أو كيف تؤثّر هذه النهاية في سيرورتها وتطوّرها. وقد تستمتع الأنا بهذا التنفيس لأنه أفضل لها من الاعتراف بتفوّق الهدف عليها.<br>المصدر المعتمد : الغريزة والثقافة سيغمود فرويد<br><br>زينب اليانور</span></b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Tue, 14 Jul 2026 14:43:33 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>«احذر الشخص العاري حين يعيرك قميصًا»</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2209-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2209-.html</link>
<description><![CDATA[<p><span style="font-size:18px;"><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">«احذر الشخص العاري حين يعيرك قميصًا»<br><br>في إحدى الندوات الصيفية لتوقيع روايتي الأولى، جلس إلى جواري قريب لي؛ رجل في نهاية الستينات من عمره، منطوٍ، ساخر، من ذلك الطراز الذي يُملي اقتراحاته طوال الوقت. كان يرتدي سترته الزرقاء التي يعاملها كأنها كنز من العهد الملكي القديم، رغم أنني لم أرَهُ سوى مرتين في حياتي كلها.<br><br>توجه إليّ بحديثه وهو يتحسس إطار نظّارته، بادئاً سرداً مطولاً ومضخمًا عن مسيرته الأدبية "الذهبية"؛ تخلل ذلك السرد تحذير مبالغ فيه من "الاختناق الداخلي"، ومن الاختبارات القاسية التي تركها الأدب خلفه طوال حياته، وكيف واجه مسيرته والحياة بسلاسل من حديد. أما أنا، فلم أتفوّه إلا بالقليل، وأهزّ رأسي بهدوء مهذب: "نعم، بالطبع"؛ لأنني ببساطة أعرف أن فلسفة هذا الموقف تنطبق على الكثيرين من هواة الصراخ، حتى في مواجهة أنفسهم.<br><br>عن صنف المتشدقين بالماضي، أولئك الذين لا يملّون من إطراء روعته المشبعة بالمجد والتحدّي، ويزعمون أنهم يفهمون الحياة بعين فراسة ترى من ثقب مفتاح لا يُرى. تعرّفتُ إلى بعضهم، وما زالت تراودني رغبة عارمة في تفكيك تلك التجربة. عرفتُ المزيد عن طباعهم الملولة التي تُحدث جلبة لا تُطاق؛ إذ أراهم من النوع الذي يجثم على صدرك نهاراً، ولا يفوته التسلل إلى غرفة نومك ليلاً ككائن نقيّ الضمير، لا يبخل بمهاراته التوعوية البائسة: "إياك أن تحلم وتعبر إلى الجانب الآخر يا صديقي؛ ذلك الجانب الذي عبره أمثالنا من قبلك ولم يعودوا!".<br><br>يقدم هذا النمط من النصائح التي لا يعرف كيف يطبّقها على نفسه، ويطارد زمناً منتصراً عليه منذ البداية، عبر طمس رغبات الآخرين وتطلعاتهم. وفي عالم الأدب والفن، يذكّرني هؤلاء بشخصية "بولونيوس" في مسرحية شكسبير الشهيرة "هاملت"؛ ذلك الثرثار الذي يوزع النصائح الرفيعة على الجميع، بينما هو عاجز تماماً عن تطبيقها في حياته.<br><br>في اعتقادي، كلما تمعنتُ إلى هؤلاء، فإن المشكلة الحقيقية بدأت قبل خمسة وثلاثين عاماً، حين تخلّوا عن طموح السعي، وعن تلك النجاحات السرّية التي لم تنتهِ معظمها نهايات سعيدة. إنها حصيلة إخفاقات ومتغيرات اضطرّتهم الظروف في النهاية إلى القبول بأقل مما يستحقون من تقدير.<br><br>وما يثير دهشتي: من أين تأتي تلك القدرة الفطرية على هذا السرد المملّ في كل مناسبة؟ ففي أعراف القوم، كثرة الكلام تُفسد يقين الشيء، كما يُفسد الليل ما تقوله النرجس عن جمالها في الماء: "لا أنا إلا أنا". فما يقولونه، في خلاصة ما تصل إليه ذاكرتي، ليس سوى وسيلة لسدّ الفجوة الفوضوية بين أحلامهم وهلوساتهم وجنون رغباتهم الحقيقية، وذريعة مراوغة للحطّ من الموارد الذاتية للآخرين.<br><br>في أعماقي، لا أترك أذناً تستسلم لصوتهم، ومن المستحيل أن أسمّي صوتاً كهذا حكمة، خصوصاً أنني كنت شاهدة على ماضٍ كان في أصله مشتتاً وخاوياً. بل إن السؤال الأعمق والأجدر بالطرح هو: لماذا يصرّ هؤلاء على أن يكونوا حراساً لماضٍ لم يعيشوه، وخصوماً لمستقبل لا يفهمونه؟<br><br>أميل إلى الاعتقاد بأن السمة المميزة لهم ليست الشرّ بمعناه الواسع، بل جمود العقل والروح. ومع ذلك، أتوقف لأقول لنفسي إن تصنيف الناس على هذا النحو قد يكون لعبة سيئة جداً. لكنني أقول لك: هل تعرف هذا النوع من البشر؟ ينبغي عليك فوراً أن تتدرب على تحرير نفسك مما لقنوك إياه، وما أسموه نصيحة، وهو في جوهره كل شيء إلا النصح.<br><br>ثمة مثل أفريقي قديم يلخص، ببساطة مذهلة، كل ما يمكن أن يُقال في هذا السياق: "احذر من الشخص العاري إذا قدم لك قميصاً". فهو ليس مجنوناً بالضرورة، قد يكون فقط في أمسّ الحاجة إلى أن يراك مرتدياً ما لم يستطع امتلاكه قط، ليقنع نفسه، ولو للحظة عابرة، أنه كان يوماً ما مكسوّاً.<br><br>أما الآن، وعندما بدأت أتلقى دعوات لحضور أمسيات، دعني أؤكد لك أنني سأحاول الابتعاد عن كل الأوساط التي ألمح فيها عبقرياً يرتدي سترة من الطراز العتيق، ويتحسس تلك العوينات قبل أن يصرخ بوجهي بتلك الطريقة الهامسة. أعتقد أنها واحدة في العمر تكفي.<br>غفران الغريباوي.</span></b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Tue, 14 Jul 2026 14:30:04 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>حين يصبح العقل منطقةً خاضعة للسلطة</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2201-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2201-.html</link>
<description><![CDATA[<p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';font-size:18px;">رواية(المواطنة 247)<br> لـِ بشرى الهلالي:<br> حين يصبح العقل منطقةً خاضعة للسلطة<br><br>لا تقرأ رواية المواطنة 247 بوصفها حكاية عن أفراد يعيشون تحت ضغط سياسي فحسب، بل بوصفها رواية عن المصير الذي ينتظر الإنسان عندما تصبح السيطرة على تفكيره أهم من السيطرة على جسده. فالرواية تنشغل بسؤال عميق ومقلق: كيف يمكن للسلطة أن تعطل قدرة الإنسان على التفكير الحر، وأن تستبدل الأسئلة الجريئة بأجوبة جاهزة، حتى يغدو الفرد جزءاً من منظومة تكرر نفسها بلا وعي؟<br>فإذا كانت الفكرة الجوهرية في (المواطنة 247) هي القطع المبرمج للتفكير وتحويل الإنسان إلى كائن مطيع يُدار من الخارج، فإن القراءة يمكن أن تنطلق من هذه البؤرة؛ فلكل مواطن رقم مؤرشف يُتابَعُ على مدار الساعة، وتُعرَف حركاته وسكناته وماذا يدور في رأسه.<br>في هذا السياق لا يعود الرقم في عنوان الرواية مجرد إشارة إدارية أو ترميز بيروقراطي، بل يتحول إلى علامة على إلغاء التفرد الإنساني. فالإنسان الذي يحمل اسماً وتاريخاً وذاكرة يصبح رقماً قابلاً للتصنيف والتوجيه، وكأن الرواية تريد القول إن أول خطوة في مصادرة العقل هي تجريد صاحبه من خصوصيته.<br>تكشف الرواية أن أخطر أشكال القمع ليست تلك التي تمارس بالعنف المباشر، وإنما تلك التي تجعل الإنسان يشارك في قمع نفسه. فحين يُعاد تشكيل الوعي باستمرار، وحين تُفرض على الفرد صورة واحدة للعالم، يبدأ العقل بالتخلي تدريجياً عن وظيفته النقدية. عندها لا يعود الخوف خارجياً فقط، بل يتحول إلى رقيب داخلي يسكن الذات ويمنعها من التفكير المختلف.<br>إن محور الرواية هو شخصية (آمنة)، التي يتداخل في حياتها الخاص والعام، حيث تتحول قصة حب قديمة عاشتها (آمنة) إلى نافذة لقراءة زمن كامل. فالحب هنا ليس حدثاً عاطفياً منفصلاً، بل وسيلة لاستكشاف أثر السلطة على أدق تفاصيل الحياة الإنسانية. إن اعتقال شابين بسبب لقاء عابر لا يمثل حادثة فردية، وإنما يكشف تغوّل المؤسسة الأمنية وقدرتها على التدخل في المصائر الشخصية وصناعة الخوف الجمعي.<br>تنجح بشرى الهلالي في تقديم هذه الفكرة من خلال عالم روائي تبدو فيه الشخصيات وكأنها تعيش داخل شبكة من المراقبة المعنوية. الجميع يتحرك، لكن ضمن حدود مرسومة سلفاً. والجميع يتكلم، لكن ضمن لغة فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على الاعتراض. وهنا تلامس الرواية إحدى القضايا الكبرى في الأدب الحديث: صناعة الطاعة والانصياع الدائم، عبر إعادة تشكيل الإدراك بذوبان الفرد وتجريده من خصوصيته.<br>إن القيمة الفكرية للرواية لا تكمن في إدانة مرحلة سياسية محددة بقدر ما تكمن في كشف آلية إنسانية متكررة عبر التاريخ؛ آلية تحويل الإنسان من ذات مفكرة إلى أداة منفذة. ولذلك تبدو الرواية أبعد من حدود زمانها ومكانها، لأنها تناقش علاقة السلطة بالعقل، وعلاقة الخوف بالمعرفة، وعلاقة المواطن بحقه في أن يفكر بحرية.<br>في نهاية المطاف تقدم المواطنة 247 صورة قاتمة ولكنها ضرورية؛ صورة لعالم لا يُطلب فيه من الإنسان أن يتوقف عن الكلام فقط، بل أن يتوقف عن التفكير نفسه. ومن هنا تنبع قوة الرواية، لأنها تجعل معركة الحرية تبدأ من الداخل، من قدرة الفرد على حماية عقله من التحول إلى رقم آخر في سجل الطاعة الطويل، ومحاولات الإفلات من رقابة السلطة بأساليب شتى.<br><br> هناك فكرة نقدية أراها جديرة بالإضافة، وهي أن بشرى الهلالي لا تكتب عن السلطة بوصفها مؤسسة سياسية فقط، بل بوصفها بنية تتسلل إلى اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانية.<br>بمعنى أن القارئ في أعمالها لا يجد الصراع التقليدي بين حاكم ومحكوم، وإنما يجد صراعاً أكثر تعقيداً بين الإنسان وصورته التي تريد القوى المحيطة أن تفرضها عليه. شخصياتها غالباً ليست شخصيات بطولية تواجه العالم بصوت مرتفع، بل شخصيات تحمل جروحها بصمت وتحاول الاحتفاظ بجوهرها الإنساني وسط محاولات الترويض والتشويه.<br>ما يميز كتابات بشرى الهلالي أنها لا تنشغل بوصف القمع في مظاهره الخارجية فقط، بل تتجه إلى آثاره العميقة في النفس البشرية. إنها تفتش عن اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالتخلي عن جزء من ذاته تحت ضغط الخوف أو العزلة أو التكرار اليومي للهيمنة. ولذلك تبدو شخصياتها وكأنها تخوض معركة داخلية من أجل الاحتفاظ بذاكرتها الفردية وهويتها الخاصة. وفي هذا المستوى تصبح الرواية عندها بحثاً في هشاشة الإنسان وقدرته على المقاومة في آن واحد، لا عبر المواجهة الصاخبة، بل عبر التمسك بحقه في أن يرى العالم بعينيه هو لا بالعين التي أُعدّت له مسبقاً.<br>أسلوب بشرى الهلالي لا يعتمد على الحدث وحده، بل على الفكرة التي تتحول إلى بنية سردية. لذلك يمكن قراءة (المواطنة 247) كرواية أفكار بقدر ما هي رواية أحداث، لأن السؤال الفلسفي فيها أهم من الحكاية نفسها: كيف يفقد الإنسان حريته الفكرية؟ وكيف يمكنه استعادتها؟<br><br>حميد الساعدي<br>كاتب وشاعر</span></b></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Wed, 01 Jul 2026 15:41:07 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>غيمري.. رحلة بين الأمكنة والقلوب</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2086-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2086-.html</link>
<description><![CDATA[<p><span style="font-size:18px;font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b>غيمري.. رحلة بين الأمكنة والقلوب </b></span></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">روند بولص </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">صدر مؤخرًا عن دار المدى للثقافة والفنون، كتابٌ يحمل عنوان "غيمري.. كدتُ أصبح إمامًا"، للكاتب جورج منصور، وهو عملٌ يتجاوز في بنائه السردي حدود السيرة الذاتية التقليدية ليغدو نصًا إنسانيًا غنيًا بالتجربة والمعايشة، وبالشهادة على زمكان وتحولات كبرى. ففي صفحات هذا الكتاب تتداخل الذاكرة بالحياة، وتنصهر التجربة الشخصية مع التأملات والرؤى العميقة، لتتشكل منهما معًا لوحة سردية متكاملة الأطراف، تمتد من الوطن وبلدته عنكاوا إلى مدينة موسكو المدهشة، مرورًا بعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بما تحمله تلك الجغرافيا الواسعة من تنوع ثقافي وحضاري وعرقي. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">تبدأ الحكاية من قصة صداقة نادرة، مؤلمة ومثيرة للوجدان في آن، عاشها الكاتب وما تزال حية في ضميره رغم الرحيل الأبدي لصديقه الوفي "خالد". إنها صداقة لم تخلُ من لحظات الشك والبرود والعتاب في بعض فصولها، لكنها في جوهرها العميق ظلت علاقة إنسانية استثنائية تفيض بالألم والوفاء والاعتزاز، وتشكل إحدى العتبات الوجدانية الرئيسية التي تنفتح منها صفحات السيرة على مصراعيها. ومن هذا المدخل الإنساني الخالص تبدأ رحلة الكاتب الأولى خارج الوطن، حين يغادر بجواز سفر مزور، مجازفًا بحياته في ظل نظام سياسي قمعي كان يهيمن على البلاد آنذاك، ليصل إلى موسكو ويلتحق بزمالة دراسية هناك. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">ومن تلك المدينة الفسيحة تبدأ رحلة متعددة الأوجه والمنعطفات: رحلة دراسية بالدرجة الأولى، لكنها أيضًا رحلة حياتية وإنسانية بامتياز، تتشكل خلالها شخصية الكاتب من جديد عبر ما يعيشه من تجارب وعلاقات وأفكار. تمتد الرحلة من مقاعد الدراسة في قاعات الكلية إلى الحياة اليومية في الأقسام الداخلية، ومن اختلاطه بزملاء أجانب من ثقافات متباينة إلى مواجهة برد المدن السوفياتية القارس وشتائها الطويل الذي لا يرحم. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">ومن نوافذ القطارات التي رافقته في أسفاره الطويلة كان الكاتب يطل على عوالم جديدة لم يألفها؛ قطارات سار فيها طويلًا عابرًا سهوبًا شاسعة وغابات ممتدة، ومحطات انتظر فيها بصبر يتأمل حركة الناس وأحوالهم، قبل أن تعبر به تلك القطارات إلى مدن وعواصم متعددة يصفها بدقة وحس تصويري بارع يجعل القارئ شبه حاضر في فضائها، متفاعلًا مع مروجها الخضراء وثلوجها المتراكمة، ومع تراثها وناسها وأزهارها وعطورها. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">تتصاعد في هذه السيرة الأحداث والمواقف في نسق درامي مشوق، يكشف من خلاله الكاتب جانبًا من يوميات طالب شرقي في بيئة مختلفة كليًا، عارضًا تفاصيل حياته بواقعية صادقة خالية من الزيف أو الرتوش؛ من اندفاعه العاطفي في علاقاته المتعددة، إلى إقباله على المشروبات الروحية في محاولة للاندماج أو الهرب، وصولًا إلى ضيق موارده المادية التي كانت تدفعه أحيانًا إلى ابتكار حلول غير تقليدية. وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على ملامح القسوة في النظام السياسي السوفياتي آنذاك، من خلال رقابة دائمة وتوجيهات حزبية صارمة تحد من حرياته الشخصية والأكاديمية. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">غير أن مسار السيرة يشهد منعطفًا دراميًا حادًا حين يضطر الكاتب، بقرار حزبي لا راد له، إلى ترك كل ما بناه هناك: أحلامه الأكاديمية في إكمال الدراسات العليا، وعلاقاته الإنسانية العميقة، وصداقاته الحميمة، وحتى مقاعد الدراسة التي كانت تمثل له ملاذًا معرفيًا، ليغادر موسكو في ظروف دراماتيكية ويلتحق بحركة الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان العراق، حاملًا معه ذاكرة مثقلة بتجارب التكوين الأولى. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">كُتبت هذه السيرة بلغة أنيقة عذبة وسلسة تأسر القارئ منذ السطور الأولى، بلغة لا تتكلف الزخارف البلاغية الزائدة، وإنما تنساب انسياب النهر في مجراه الطبيعي. وهي لا تقف عند حدود السيرة التقليدية بوصفها مجرد تسجيل زمني للأحداث، بل تتجاوز ذلك لتلامس أحيانًا أفق القصة القصيرة بحكاياتها المكثفة، وفي مواضع أخرى تقترب من تقنيات الرواية المتطورة من حيث تعدد الشخصيات المرسومة بعناية، والحبكة المحكمة وتشابك الأحداث وتداخلها، ودقة التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية لكنها تحمل دلالات كبرى، وحضور المكان والزمان بوضوح لافت يجعلهما عنصرين فاعلين في السرد وليس مجرد إطار جامد. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">ولا يكتفي النص بسرد التجربة الشخصية بمعزل عن سياقها الأوسع، بل يقدم للقارئ أيضًا ثروة من المعلومات التاريخية الدقيقة، والجغرافية المفصلة، والحضارية الثرية، والفنية المتنوعة، فيتحول الكتاب بهذا إلى رحلة معرفية ممتعة تشبه السياحة الفكرية والثقافية في أزمنة وأمكنة متعددة. </span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;"> كما يثري الكاتب سرده باقتباسات منتقاة بعناية لعدد من المفكرين والشعراء والعظماء من مختلف الثقافات والحضارات، يوظفها بذكاء في سياق التجربة ليمنحها بعدًا فكريًا وتأمليًا أعمق، وليربط الخاص بالعام، والفردي بالكوني.</span></span></b></p><p><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><span style="font-size:18px;">وهكذا يغدو كتاب "غيمري... كدتُ أصبح إمامًا" أكثر من مجرد سيرة شخصية؛ إنه شهادة حية على مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ العراق والمنطقة، وتجربة إنسانية ثرية بتفاصيلها وتحولاتها، ونص أدبي متماسك يجمع بين دفء الذاكرة وجماليات السرد وعمق المعرفة، ويمنح قارئه رحلة نابضة بالصدق والحنين والاكتشاف، لا تكشف فقط عن ملامح حياة كاتبها، بل تعكس أيضًا صورة جيل كامل عاش تحولات كبرى بين الشرق والغرب، بين الأيديولوجيا والحلم، بين الانتماء والاغتراب. </span></span></b></p><p><span style="font-size:18px;font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><b> ومن الجدير بالذكر أن كان قد صدر للكاتب عام 2022  عن دار الرواق في بغداد/ كتاب  (ايفين حفر في الذاكرة ) وهو من ادب السيرة، يتحدث فيه الكاتب عن سيرته الذاتية ومسيرة حياته وأهم محطاتها بواقعية ومصداقية وشفافية. سيرة وثّق فيها الأحداث والوقائع، واصفًا إياهًا بدقة متناهية مما جعلها تتجسد وتستحضر أمام القارئ وكأنها تحدث اليوم وهو يشاهدها في مشهد تلفزيوني حاضر للعيان مفعم بالإحساس والعفوية. مذكرات وسيرة كتبها بأسلوب أدبي إبداعي،  ترتقي فصول منها أحيانا إلى معايير الرواية ، وفصول أخرى تميل الى أدب السجون، مذكرات تأخذ القارئ في رحلة حياتية مفعمة بالإنسانية والألم والمعرفة.</b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Mon, 30 Mar 2026 13:40:32 +0300</pubDate>
</item><item>
<title>(توقيت آخر للحياة)…  حين يصبح الزمن سيرةً للروح .</title>
<guid isPermaLink="true">https://iraqiwritersunion.com/2054-.html</guid>
<link>https://iraqiwritersunion.com/2054-.html</link>
<description><![CDATA[<p><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';font-size:24px;"><b>(توقيت آخر للحياة)… </b></span></p><p><span style="font-size:24px;"><b><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">حين يصبح الزمن سيرةً للروح</span></b></span></p><p><br></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">صدرت رواية (توقيت آخر للحياة) للروائية العراقية بشرى الهلالي عن دار الحكمة – لندن 2025 ضمن جديد المكتبة الروائية العراقية، وهي التجربة الروائية الثانية لها بعد رواية ( المواطنة 247) والتي أعطت هذا العمل اسمه ليُعلن عن تجربة سردية تتجاوز الزمن المألوف وتعيد رسم لحظات الوجود من منظورٍ مختلف وعميق. </span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><br></span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">في رواية توقيت آخر للحياة للروائية العراقية بشرى الهلالي لا نكون أمام حكاية تُروى بقدر ما نكون أمام زمنٍ يُعاد اختراعه. فالرواية لا تنشغل بما حدث بقدر ما تنشغل بكيفية حدوثه في الوعي، ولا تهتم بتسلسل الوقائع بقدر ما تفتّش عن التشققات الخفية التي يتركها الزمن في الروح.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">الروائية، بصفتها أكاديمية وكاتبة وصحفية عراقية، تضع في هذا النص تجربتها الفكرية والمعرفية، فتطرح من خلاله أسئلة وجودية حول الهوية، والاغتراب، وإعادة البناء الذاتي بعد الصدمة، مما يجعل الرواية تتجاوز مجرد السرد الواقعي إلى سرد فلسفي وتأملي في معنى الحياة والزمن. </span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام فرضية وجودية: ماذا لو أن للحياة أكثر من توقيت؟ ماذا لو أن ما نظنه نهايةً ليس سوى انتقالٍ إلى إيقاعٍ آخر لا تقيسه ساعات الجدران بل نبضات الداخل؟ هنا لا يعود الزمن إطارًا خارجيًا، بل يتحول إلى بطلٍ خفيّ، يوجّه التجربة، ويعيد ترتيب العلاقات بين الذاكرة والحاضر.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">الرواية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالسرد التأملي–الوجودي؛ حيث تتقدّم الذات الساردة بوصفها مركز التجربة، لكنها ليست ذاتًا مكتفية بنفسها، بل ذاتًا في حالة انكشاف دائم. المكان، مهما كان بعيدًا جغرافيًا، ليس سوى مرآة داخلية؛ والغربة ليست انتقالًا من وطن إلى آخر، بل انتقال من يقينٍ إلى سؤال.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">تتحرك البنية السردية بعيدًا عن الخطوط التقليدية. الزمن فيها متشظٍ، متداخل، يطلّ الماضي من ثنايا الحاضر، ويطلّ الحاضر من ذاكرة لم تُحسم بعد. هذا التداخل لا يأتي بوصفه تقنية شكلية، بل ضرورة نفسية؛ فالذات التي تعيش “توقيتًا آخر” لا تستطيع أن تسرد حياتها بلغة مستقيمة. إنها تعيد تركيب نفسها عبر شظايا.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">لغة الهلالي تميل إلى التكثيف والتأمل. ليست لغة وصف خارجي، بل لغة إصغاء داخلي. الجمل تتقدم بحذر، كأنها تتحسس الطريق في عتمةٍ شفيفة. ثمة ميل واضح إلى تحويل الفكرة إلى صورة، والصورة إلى سؤال. فلا شيء يُقال بشكلٍ مباشر تمامًا، ولا شيء يُترك بلا أثرٍ رمزي.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">أما على مستوى الثيمة، فإن الرواية تعالج سؤال الهوية بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يُجاب عنه دفعةً واحدة. الهوية هنا ليست معطًى ثابتًا، بل كائنًا يتحول تحت ضغط التجربة. الاغتراب لا يُقدَّم ككارثةٍ نهائية، بل كفرصةٍ لإعادة تعريف الذات. في هذا السياق، يصبح الألم أداة معرفة، ويغدو الانقطاع شرطًا لبدايةٍ أعمق.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">إذا ما قورنت هذه الرواية ببعض تيارات الرواية العربية الحديثة، فإنها تقترب من الأعمال التي تعلي من شأن الداخل على حساب الحدث، ومن الفلسفة على حساب الحبكة الصاخبة. لكنها لا تقع في فخ التجريد البارد؛ إذ تظل التجربة الإنسانية نابضة، ملموسة، مشدودة إلى حساسية أنثوية واعية لا تكتفي بوصف العالم بل تسائله.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">قوة الرواية تكمن في هدوئها. إنها لا تصرخ كي تُسمَع، بل تهمس لتجبرك على الاقتراب. لا تقدّم خلاصات جاهزة، بل تفتح بابًا نحو مراجعة شخصية للزمن الذي نعيشه. كأنها تقول: ليست الحياة ما يحدث لنا، بل التوقيت الذي نختاره لفهم ما حدث.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">في خلاصة القراءة، يمكن القول إن (توقيت آخر للحياة) ليست رواية عن حدثٍ بعينه، بل عن التحول ذاته. عن تلك اللحظة التي ينهار فيها الإيقاع القديم، فنكتشف أن في داخلنا ساعةً أخرى لم ننتبه لها من قبل. رواية تُعيد تعريف الزمن بوصفه تجربةً روحية، وتعيد تعريف الحياة بوصفها إمكانيةً دائمة للبدء من جديد.</span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';"><br></span></span></b></p><p><b><span style="font-size:18px;"><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';">حميد الساعدي</span></span></b></p><p><span style="font-family:'Times New Roman', Times, serif, '-webkit-standard';font-size:18px;"><b>كاتب وشاعر / العراق</b></span></p>]]></description>
<category><![CDATA[نقد]]></category>
<dc:creator>amir</dc:creator>
<pubDate>Sun, 15 Mar 2026 12:23:50 +0300</pubDate>
</item></channel></rss>